ختم الدولة السعودية الاولى اعتراف وتوثيق اداري

{title}
راصد الإخباري -

اكد الدكتور فارس بن متعب المشرافي رئيس قسم التاريخ في جامعة الملك سعود انه في يوم التاسيس لا تقتصر الكتابة التاريخية الرصينة على استعادة الحدث او تمجيد البدايات بل تتجه الى تفكيك ادوات الدولة تلك العلامات الصغيرة التي تكشف كيف فكرت السلطة وكيف عرفت نفسها وكيف مارست حضورها السياسي والاداري ومن بين هذه الادوات يبرز الختم بوصفه وثيقة مادية مكثفة الدلالة تختصر مفهوم الدولة في اثر واحد.

اوضح المشرافي ان الختم لا يقرا بمعزل عن سياقه السياسي والاداري وان الوقوف عند بنيته وصيغته يفتح بابا لفهم اعمق لطبيعة الدولة التي تنتجه فالختم المنسوب الى الامام سعود بن عبد العزيز ثالث ائمة الدولة السعودية الاولى استخدم لتوثيق المكاتبات الرسمية ومنها رسالة موجهة الى والي الشام في العقد الاول من القرن الثالث عشر الهجري.

بين المشرافي ان الختم يحمل نصا مركزيا هو عبده سعود بن عبد العزيز ويتضمن تاريخا مع صياغة كتابية محاطة باطار دائري يوحي بالاكتمال والضبط كما لا ينشا الختم للزينة بل للاعتراف الرسمي فوجوده يعني ان هناك سلطة مركزية تحتاج الى توثيق قراراتها ومراسلاتها وادارة واعية بالتمثيل اذ ان كل رسالة مختومة تقول ضمنا هذه دولة تتكلم باسمها ونظام للشرعية فلا تكتسب الرسالة قوتها من مضمونها فقط بل من الاثر المطبوع عليها.

دلالات الختم في الدولة السعودية الاولى

اشار المشرافي الى ان صيغة عبده سعود تتجاوز بعدها الشخصي لتدخل في لغة الشرعية السياسية فاختيار لفظ عبده يعكس تصورا للسلطة لا ينفصل عن المرجعية الدينية حيث تقدم القيادة بوصفها تكليفا اخلاقيا قبل ان تكون امتيازا سياسيا.

قال المشرافي ان هذه اللغة ليست عفوية بل تعبير عن نموذج حكم يرى ان القوة السياسية لا تكتمل الا بشرعية قيمية وان الدولة لا تعلو على منظومة الاعتقاد بل تعمل داخلها.

شدد رئيس قسم التاريخ بجامعة الملك سعود على ان اهمية الختم تتضاعف حين نعلم انه استخدم في مراسلة خارج المجال المحلي الى والي الشام فالختم هنا يصبح اداة علاقات سياسية خارجية يعبر عن وعي الدولة السعودية الاولى بنفسها بوصفها فاعلا سياسيا يتواصل ويخاطب ويعرف ذاته بلغة رسمية معترف بها في عالم المكاتبات السياسية انذاك.

وظائف الختم السيادية والخارجية

اضاف المشرافي انه بذلك لم يكن الختم موجها للداخل فقط بل ادى وظيفة سيادية تجاه الخارج وفي الوقت نفسه فان وجود التاريخ الهجري على الختم ليس تفصيلا شكليا بل مؤشر على زمننة العمل الاداري.

واستطرد المشرافي قائلا ان الدولة التي تؤرخ وثائقها دولة تدرك اهمية التسلسل والاسبقية والحجة وتعي ان الفعل السياسي لا يكتمل دون ضبطه في الزمن وهنا تبرز ملامح مبكرة لما يمكن تسميته بالعقل الاداري للدولة السعودية الاولى.

تحدث المشرافي عن الختم في سياقه الاقليمي المعاصر موضحا ان دلالة ختم الامام سعود بن عبد العزيز تتضح على نحو ادق عند مقارنته باختام دول اسلامية معاصرة له في اواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.

الختم مقارنة بالدول الاسلامية المعاصرة

بين المشرافي انه في الدولة العثمانية كانت الطغراء السلطانية تستخدم بوصفها توقيعا سياديا مركبا يحمل اسم السلطان والقابه بصياغة بصرية كثيفة ويؤدي وظيفة رمزية عالية تبرز المقام الامبراطوري والتراتبية السلطانية قبل اي بعد اجرائي بحيث يغدو الختم بيان سيادة بصريا بلغة ذلك العصر بقدر ما هو اداة توثيق.

واشار الى انه كذلك في ايران القاجارية تظهر الاختام الرسمية مرتبطة باسم الشاه والقابه مع حضور واضح للوسم الشخصي والشرعية الملكية بما يجعل الختم امتدادا لهيبة الحاكم وتمثيله الرمزي للدولة اكثر من كونه اداة ضبط اداري محايدة.

اوضح انه في مصر في عهد محمد علي باشا ورغم ملامح التحديث الاداري المبكر ظل الختم الرسمي يعمل داخل لغة سلطة ومقام لا تستمد من صيغة الختم وحدها بل من البنية السيادية التي ينتمي اليها الحاكم بوصفه واليا عثمانيا فحتى حين استخدم محمد علي صيغة عبده محمد علي فان هذه العبارة لا تؤدي وظيفة تعريف تاسيسي للشرعية بل تعمل بوصفها صيغة تهذيب اجرائية ضمن تقاليد الكتابة العثمانية تخفف بها نبرة المقام داخل الختم على ان تستعاد كاملة خارجه عبر منظومة الالقاب والرتب الرسمية التي تحدد موقع الحاكم ووظيفته من قبيل لقبه باشا بوصفه رتبة عليا في الهرم الاداري والعسكري العثماني ووالي مصر باعتباره اللقب القانوني والسيادي المعترف به اضافة الى الصياغات البروتوكولية من نوع والي مصر المحروسة وعليه فان الختم في الحالة المصرية يظل اعلانا للمقام السياسي بقدر ما هو اداة توثيق ولا ينفصل عن منظومة سلطة اعلى يتحدد داخلها موقع الحاكم ووظيفته.

الختم السعودي يتميز بالوضوح

شدد المشرافي على انه في مقابل هذه النماذج يقدم الختم السعودي صيغة مختلفة اذ تكتفي عبارة عبده سعود بن عبد العزيز المقترنة بالتاريخ الهجري باداء وظيفة الاعتراف الرسمي والتوثيق الاداري دون استعراض رمزي او تضخيم للالقاب ودون احالة الى سيادة اعلى خارج اطار الدولة نفسها فالختم هنا يتقدم بوصفه اداة دولة على كونه بيان مقام ويبرز نموذج سيادي يقوم على الاقتصاد في الرموز والوضوح في التمثيل والضبط الاداري وهو فارق دال في فهم طبيعة الدولة السعودية الاولى ومنطق تشكلها المبكر بوصفها دولة تعرف نفسها من خلال وظيفتها وممارستها لا عبر فخامة الرمز وحدها.

يشير المشرافي الى انه في ضوء هذه المقارنة الاقليمية لا يمكن قراءة ختم الامام سعود بن عبد العزيز بوصفه مجرد اداة توثيق ادارية معزولة بل ينبغي فهمه في سياق وظيفة الدولة السعودية الناشئة انذاك فهذه دولة لم تتشكل بوصفها كيانا احتفاليا او رمزيا بل بوصفها سلطة معنية بالضبط وتنفيذ الاحكام وتامين المجال وتنظيم العلاقة بين الداخل والخارج وفي هذا السياق يغدو الختم انعكاسا مباشرا لوظيفة الدولة نفسها اداة لاقرار القرار وتثبيت المراسلة وضبط الفعل السياسي ضمن اطار شرعي واضح.

يري المشرافي ان بساطة صيغة الختم واقتصاده في الالقاب وحضوره المقترن بالتاريخ الهجري كلها عناصر تشير الى دولة ترى في السلطة ممارسة مسؤولة قبل ان تكون استعراضا سياديا فالدولة التي تكثف رموزها الى الحد الادنى هي دولة تقدم الفعل على الخطاب والتنظيم على الزخرفة والوظيفة على التمثيل ومن هنا لا يقرا الختم بوصفه علامة شخص الامام بقدر ما يقرا بوصفه اداة دولة تعمل وتخاطب وتلزم وتؤرخ.

خلص المشرافي الى القول انه بهذا المعنى يصبح ختم الامام سعود بن عبد العزيز شاهدا على طبيعة الدولة السعودية الاولى بوصفها دولة ممارسة تعرف نفسها من خلال ما تنفذه لا من خلال ما تستعرضه وتثبت حضورها عبر الضبط الاداري والشرعي لا عبر الفخامة الرمزية وحدها.

بين المشرافي ان ختم الامام سعود بن عبد العزيز يعلمنا ان الدولة لا تقرا فقط في المعارك او الاتفاقيات الكبرى بل في تفاصيلها الصامتة ختم وتوقيع وصيغة لغوية وفي يوم التاسيس فان استحضار هذا الختم ليس احتفاء باثر قديم بل قراءة واعية للحظة تشكل الدولة السعودية بوصفها كيانا منظما ذا شرعية ووعي بالتمثيل السياسي هكذا يصبح الختم شهادة تاريخية تقول هنا دولة وهنا سلطة تعرف نفسها وتعرف كيف تثبت حضورها.