السرديه الاردنيه هي روح الوطن
راصد الإخباري -
عوض المزنه
رئيس جمعية الديسه السياحيه
السرديه الاردنيه ليست مجرد تسلسل احداث في كتب التاريخ، ولا خطابا يلقى في المناسبات، بل هي روح وطن تشكلت عبر قرون من التحدي والصبر والبناء. هي حكاية ارض كانت دائما في قلب التحولات الكبرى، لكنها بقيت ثابته على قيمها، واضحة في هويتها، عميقة في جذورها.
هذه الارض التي نعرفها اليوم باسم المملكة الاردنية الهاشمية لم تولد من فراغ، بل قامت على تراكم حضاري ممتد منذ الاف السنين. هنا مرت حضارات وامم، من الانباط الذين شيدوا مجدهم في البتراء، الى الامبراطوريات التي تعاقبت على طرق القوافل، فكان الاردن جسرا بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب. كل حجر في هذه الارض يحمل اثرا، وكل واد يحكي قصة.
وفي الجنوب، تقف رم والديسه كأنهما كتاب مفتوح على الزمن. جبال رم الشامخه ليست مجرد تكوينات جيولوجيه، بل صفحات من التاريخ، نقشت عليها اثار الانسان الاول، وعبرت منها قوافل التجاره، وارتبطت بمرحلة مفصليه في مسار الامه حين انطلقت الثوره العربيه الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي، معلنه بداية مشروع سياسي تحرري كان الاردن احد اهم تجلياته.
من ذلك الحلم العربي، ولدت نواة الدوله الحديثه حين اسس الملك عبدالله الاول بن الحسين امارة شرق الاردن عام 1921، واضعا حجر الاساس لدوله بنيت على التوافق بين القياده الهاشميه واهل البلاد. لم تكن الدوله مجرد حدود مرسومه، بل عقدا اخلاقيا واجتماعيا، قوامه البيعه والولاء والانتماء، واساسه ان الارض والانسان شريكان في المصير.
السرديه الاردنيه منذ ذلك الحين لم تتوقف عن التطور. في عهد الملك الحسين بن طلال ترسخت مؤسسات الدوله، وتعزز الجيش والاجهزه الامنيه، وبنيت الجامعات والمستشفيات والطرق، وسط عواصف اقليميه لم تكن سهله. ثم جاء عهد الملك عبدالله الثاني بن الحسين ليحمل مشروع التحديث السياسي والاقتصادي، ويؤكد ان قوة الاردن ليست فقط في تاريخه، بل في قدرته على التكيف والاستمرار.
وسط كل ذلك، بقيت رم والديسه جزءا اصيلا من هذه السرديه. ليستا هامشا سياحيا، بل عمقا وطنيا. الباديه الاردنيه كانت دائما خزان القيم، ومصدر الرجال الذين حملوا السلاح دفاعا عن الوطن، والذين شاركوا في بناء مؤسساته. الوطنيه هنا لم تكن شعارا، بل التزاما يوميا، يبدأ بحماية الارض وينتهي بخدمة الناس.
اليوم، حين نتحدث عن رم والديسه، فنحن لا نتحدث فقط عن موقع جذب عالمي، بل عن اختبار حقيقي للسرديه الاردنيه المعاصره. هل نستطيع ان نوازن بين الاستثمار وحماية البيئه؟ هل نحفظ حق المجتمع المحلي في الشراكه والقرار؟ هل نجعل من القانون اداة عدل لا عبئا؟ هنا تتجلى الوطنيه بمعناها العملي، لا العاطفي.
السرديه القويه هي التي تعترف بان الدوله ليست معصومه من التحديات، لكنها قادرة على تصحيح المسار. هي التي تؤمن ان هيبة الدوله لا تتعارض مع كرامة المواطن، بل تقوم عليها. وهي التي ترى في رم والديسه نموذجا يمكن ان يجسد افضل ما في الاردن: جمال الطبيعه، اصالة الانسان، ووضوح القياده.
من نقوش الصخر في رم، الى اعلان تأسيس الدوله، الى الحاضر الذي يشهد تحولات سياسيه واقتصاديه، تبقى الحكاية واحده: وطن صغير بحجمه، كبير برسالته. وطن لم يختر جغرافيته الصعبه، لكنه اختار ان يجعل منها مصدر قوة. وطن احاطته الازمات، فصنع من الثبات هويته.
السرديه الاردنيه ليست قصة ماضي فقط، بل مشروع مستقبل. مشروع يقوم على ان نحمي تاريخنا دون ان نتجمد فيه، وان نطور اقتصادنا دون ان نفقد قيمنا، وان نجعل من رم والديسه وغيرهما من مناطق الوطن شواهد على ان العداله والتنميه يمكن ان تسيرا معا.
هذه هي الحكاية التي يجب ان تروى بثقه: حكاية وطن نشأ من حلم، وترسخ بالتضحيات، ويستمر بالاراده. حكاية ارض وانسان وقياده، اذا اجتمعوا على هدف واحد، صنعوا من الصحراء حياة، ومن التحدي فرصه، ومن التاريخ مستقبلا







