القانوني توبات : من سيخلف الجراح ؟

{title}
راصد الإخباري -



المحامي د. حازم سليمان توبات 
استاذ القانون الدستوري المساعد في كلية القانون/ جامعة اليرموك
أثار شغور مقعد النائب محمد الجراح، الذي فاز عن حزب العمال ضمن الدائرة الانتخابية العامة، جدلًا قانونيًا حول الآلية الصحيحة لملء المقعد الشاغر. وتمحور النقاش حول ما إذا كان يتعين أن يخلفه نائب من فئة الشباب استنادًا إلى نص المادة (58/3) من قانون الانتخاب لسنة 2022، أم أن المقعد يُشغل من المرشح الذي يليه في ترتيب القائمة الحزبية ذاتها وفق القاعدة العامة.
إن حسم هذا الجدل يقتضي قراءة متكاملة لبنية قانون الانتخاب، والتمييز بين شروط تشكيل القوائم وطبيعة المقاعد بعد إعلان النتائج.
أولًا، نصت المادة (8/ج) من قانون الانتخاب على اشتراط وجود شاب أو شابة يقل عمره عن (35) سنة ضمن أول خمسة مترشحين في القائمة الحزبية. غير أن هذا الشرط يتعلق بمرحلة الترشح وتنظيم القائمة قبل الانتخابات، ولا يُنشئ مقعدًا مخصصًا للشباب بعد الفوز. فالمقاعد المخصصة صراحة في الدائرة الانتخابية العامة هي (41) مقعدًا، يخصَّص منها مقعدان للمسيحيين حدا أدنى ومقعد واحد للشركس والشيشان حدا أدنى. فهنا التخصيص جاء هنا فقط للمسيحين والشركس والشيشان ولم يرد تخصيص للشباب .والتخصيص في القوانين الانتخابية لا يُفترض ولا يُستنتج ضمنًا، بل يجب أن يكون صريحًا وواضحًا. فحين خصّص المشرّع مقاعد للمسيحيين والشركس والشيشان، نصّ على ذلك صراحة. أما بالنسبة للشباب، فلم يُنشئ المشرّع "كوتا مقعدية”، بل اكتفى بشرط تمثيلهم ضمن تشكيل القائمة. والفرق بين الأمرين جوهري؛ فالأول يتعلق بطبيعة المقعد ذاته، أما الثاني فيتعلق بصحة تشكيل القائمة قبل الانتخابات.
ثانيًا، تُقرر الفقرة (1) من المادة (58) القاعدة العامة بوضوح، إذ تنص على أنه إذا شغر أي مقعد من مقاعد الدائرة الانتخابية العامة لأي سبب، يُشغل هذا المقعد من المترشح الذي يلي الفائز في الترتيب من القائمة ذاتها، وإذا تعذر ذلك يُملأ من القائمة التي تليها مباشرة وفق النسبة. وهذه القاعدة تعكس فلسفة نظام القائمة النسبية المغلقة، حيث تتعلق الإرادة الانتخابية بالقائمة وترتيبها كما عُرضت على الناخبين، لا بالصفات الشخصية اللاحقة للفائز.
وتزداد هذه الحقيقة وضوحًا عند النظر إلى الواقعة الانتخابية ذاتها؛ فقد فاز حزب العمال بمقعدين في الدائرة العامة، وكان ترتيب النائب محمد الجراح في القائمة هو الرقم (2)، فكان فوزه نتيجة مباشرة لهذا الترتيب وعدد المقاعد التي حصلت عليها القائمة. ولو افترضنا أن ترتيبه كان الخامس، والحزب لم يفز إلا بمقعدين، لما كان قد فاز أصلًا، حتى وإن كان من فئة الشباب. وهذا يؤكد أن معيار الفوز في هذا النظام هو الترتيب وعدد المقاعد التي تنالها القائمة، لا الصفة العمرية للمرشح.
ثالثًا، تقتضي الإشارة إلى الفقرة (3) من المادة (58)، التي نصت على أنه إذا كان المقعد الشاغر من المقاعد المخصصة للمرأة أو الشباب، فيتم إشغاله من المترشح الذي يلي الفائز من النساء أو الشباب في القائمة ذاتها. غير أن تطبيق هذا النص يفترض وجود مقعد مُخصص ابتداءً لهذه الفئة، أي أن يكون المقعد قد اكتسب وصفًا قانونيًا محددًا بوصفه "مقعد امرأة” أو "مقعد شباب”.
وفي ظل عدم وجود نص يقرر تخصيص مقاعد للشباب في الدائرة الانتخابية العامة، فإن المقعد الذي فاز به النائب لا يُعدّ مقعد شباب بالمعنى القانوني، بل مقعدًا حزبيًا عامًا. وبالتالي، فإن موضوع الفقرة (3) لا يتحقق في الحالة المعروضة، إذ لا يمكن إعمال نص يتحدث عن مقعد مخصص في غياب تخصيص صريح.
رابعًا، تكتسب الفقرة (4) من المادة (58) أهمية خاصة، إذ نصت على أنه إذا استقال النائب الذي فاز عن القائمة الحزبية من الحزب الذي ينتمي إليه، أو فُصل منه بقرار اكتسب الدرجة القطعية، فإن مقعده يُملأ من المترشح الذي يليه في القائمة ذاتها، وإذا تعذر ذلك يُملأ من القائمة التي تليها مباشرة بالنسبة وضمن الترتيب المنصوص عليه. وهذه الحالة تنطبق على الوضع المعروض، لا سيما مع صدور حكم قضائي قطعي.
وهنا تتجلى دلالة تشريعية حاسمة؛ فالمشرّع، حتى في حالة الفصل بحكم قطعي، لم يربط ملء المقعد بأي صفة شخصية للنائب، بل أعاد المقعد إلى منطق القائمة وترتيبها. ولو كان المقعد الذي يفوز به شاب يُعدّ قانونًا مقعدًا مخصصًا للشباب، لنصّ المشرّع صراحة على وجوب الحفاظ على هذه الصفة عند الملء، كما فعل في حالات التخصيص الصريح الأخرى.
إن القاعدة في تفسير النصوص المنظمة لتكوين السلطة التشريعية هي الالتزام بحرفية النص ومنطقه الداخلي، وتجنب التوسع في إنشاء أحكام غير منصوص عليها. وتحويل شرط تمثيل الشباب في تشكيل القوائم إلى تخصيص مقعدي دائم بعد الفوز، يُعد إنشاءً لحكم لم يقرره المشرّع صراحة.
وعليه، فإن القراءة المنسجمة مع بنية قانون الانتخاب، والمدعومة بصراحة الفقرتين (1) و(4) من المادة (58)، تقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن المقعد الشاغر يُملأ من المترشح الذي يليه في ترتيب القائمة الحزبية ذاتها، دون اشتراط أن يكون من الفئة العمرية ذاتها.
إن الجدل الدائر بخصوص هذا الموضوع  يكشف عن حاجة ملحّة إلى مزيد من الدقة في صياغة النصوص الانتخابية، لأن وضوح قواعد ملء الشواغر ليس مسألة إجرائية فحسب، بل ضمانة دستورية لاستقرار التمثيل النيابي وصون الإرادة الانتخابية كما عبّر عنها الناخبون يوم الاقتراع.