بين الواقع والطموح


"مسارات" يعقد جلسة حوارية حول مشاركة الشباب في الأحزاب

{title}
راصد الإخباري -




· مركز "مسارات" يعقد جلسة حوارية حول مشاركة الشباب في الأحزاب: بين الواقع والطموح
· نواب وأمناء أحزاب يؤكدون: الإرادة السياسية داعمة للشباب لكن التحديات البنيوية قائمة
· ممثلو اتحادات الطلبة: المشاركة الحزبية في الجامعات تواجه بيروقراطية وتهميشاً مقنّعاً





شهد مقر مركز "مسارات" للأبحاث والدراسات مساء اليوم عقد جلسة نقاشية سياسية موسعة حملت عنواناً لافتاً: "مشاركة الشباب في الأحزاب السياسية: حقيقية أم هامشية؟"، في محاولة جادة لتشريح واقع الانخراط الشبابي في العمل الحزبي الأردني، ورصد المعيقات والتحديات التي تحول دون تحول هذه المشاركة من شكلها الاحتفائي الموسمي إلى حالة نضج سياسي يومي ومستدام.

وجمعت الجلسة، التي أدارتها الكوادر البحثية في المركز، نخبة رفيعة المستوى من أمناء الأحزاب السياسية، وأعضاء مجلس النواب، والمحللين السياسيين، والأكاديميين المتخصصين، إلى جانب ممثلين عن اتحادات الطلبة في الجامعات الأردنية الرسمية والخاصة، إضافة إلى مشاركة واسعة عبر تقنية الاتصال المرئي من قبل ناشطين ومهتمين بالشأن العام، في مشهد حواري عكس حالة من الحيوية السياسية وفتح المساحات الجادة للنقاش خارج الإطار التقليدي.

النواب وأمناء الأحزاب: الإرادة السياسية داعمة للشباب لكن التحديات البنيوية قائمة

واستهل النائب مصطفى العماوي، أمين عام الحزب الوطني الإسلامي، المداخلات بالقول إن المشاركة الحزبية للشباب لم تعد اليوم خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية واستحقاق دستوري، لافتاً إلى أن ما تشهده الساحة من إقبال شبابي على إنشاء الأحزاب والانضمام إليها يعكس تحولاً نوعياً في الوعي الجمعي، لكنه تساءل في الوقت ذاته عن جودة هذه المشاركة وعمقها، وهل تجاوزت مرحلة الديكور السياسي إلى صناعة القرار الحزبي الفعلي.

من جهته، أكد المحامي صلاح المعايطة، أمين عام حزب مبادرة، أن التعديلات الدستورية وقوانين الانتخاب والأحزاب وفرت بيئة تشريعية مشجعة للشباب، إلا أن الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الميدانية لا تزال قائمة، داعياً الأحزاب ذاتها إلى مراجعة خطابها السياسي وأدواتها التنظيمية لتكون أكثر جاذبية واستيعاباً لطموحات الشباب.

وشدد الأستاذ وائل السقا، أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي، على أن الشباب الأردني يمتلك من الكفاءة والقدرة ما يؤهله ليكون في صدارة المشهد السياسي، لكنه أشار إلى أن ثقافة "الكوتا" والتوزيع التقليدي للأدوار داخل الأحزاب تحد من فرص الشباب في الوصول إلى مواقع القيادة، مقترحاً اعتماد أنظمة داخلية تلزم الأحزاب بإشراك الشباب في هيئاتها القيادية بنسب تصاعدية.

أما النائب محمد المحارمة، رئيس لجنة الشباب والرياضة والثقافة النيابية، فلفت إلى أن المجلس النيابي الحالي شهد تمثيلاً شبابياً غير مسبوق، لكنه استدرك بأن ذلك يجب أن يترافق مع أداء برلماني متمكن، وإلا فإن التمثيل العددي سيبقى مجرد رقم لا يعبر عن تأثير حقيقي. ودعا المحارمة الأحزاب إلى تبني برامج تدريبية وتأهيلية منهجية للشباب بدلاً من الاكتفاء باستقطابهم في المواسم الانتخابية.

وبدوره، رأى النائب الدكتور إبراهيم الطراونة، عن حزب الميثاق الوطني، أن المشاركة الحزبية للشباب لا يمكن فصلها عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي، موضحاً أن هاجس البطالة والغلاء يضعف الدافع الشبابي نحو العمل السياسي، الذي يُنظر إليه أحياناً على أنه رفاهية لا تقدم حلاً ملموساً لمشكلاتهم اليومية.

أما النائب السابق جميل النمري، فاتجه بالتحليل نحو البعد التاريخي، مشيراً إلى أن عزوف الشباب عن الأحزاب لعقود طويلة هو نتاج تراكمي لسياسات التهميش وتبديد الثقة، وأن إعادة بناء هذه الثقة تحتاج إلى وقت وجهد، كما تحتاج إلى أحزاب تقدم مشاريع وطنية كبرى، لا مجرد برامج آنية تنتهي بانتهاء الانتخابات.

ممثلو اتحادات الطلبة: المشاركة الحزبية في الجامعات تواجه بيروقراطية وتهميشاً مقنّعاً

وشكّلت مداخلات ممثلي اتحادات الطلبة في الجامعات الأردنية نقلة نوعية في النقاش، حيث نقلوا صورة حية ومباشرة عن واقع العمل الحزبي داخل الحرم الجامعي، مؤكدين أن الشباب الجامعي بات أكثر وعياً واستعداداً للمشاركة، لكنه يصطدم بإجراءات بيروقراطية وتفسيرات مضيّقة للتعليمات الناظمة للعمل الطلابي.

وأكد إبراهيم الخوالدة، ممثل اتحاد طلبة جامعة آل البيت، أن هناك فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي المشجع للعمل الحزبي وبين الممارسة الفعلية داخل الجامعات، مشيراً إلى أن بعض إدارات الجامعات لا تزال تنظر إلى النشاط الحزبي الطلابي بريبة، مما يدفع الشباب إلى ممارسة العمل السياسي خارج أسوار الجامعة.

من جانبه، وصف نور الدين الخطاب، ممثل اتحاد طلبة الجامعة الأردنية، واقع المشاركة الحزبية في الجامعات بأنه "هامشي بامتياز"، واستشهد بصعوبة حصول الطلاب المنتمين لأحزاب على تصاريح لعقد اجتماعات أو ندوات داخل الحرم الجامعي، مقارنة بالأنشطة الثقافية والفنية التي تحظى بتسهيلات أكبر.

وأشار عبادة عمر الربيع، ممثل اتحاد طلبة جامعة جرش، إلى أن غياب الثقافة الحزبية المؤسسية لدى الشباب يعود جزئياً إلى ضعف الدور التوعوي الذي يفترض أن تضطلع به الجامعات، داعياً إلى إدراج مفاهيم التعددية الحزبية والديمقراطية ضمن المناهج الدراسية والأنشطة اللامنهجية.

أما عودة الخوالدة، ممثل اتحاد طلبة الجامعة الهاشمية، فذهب إلى أن الشباب لم يعودوا يقبلون بالأدوار الثانوية، ويريدون أن يكونوا شركاء حقيقيين في صياغة البرامج والسياسات، محذراً من أن استمرار تهميشهم سيفاقم حالة الإحباط السياسي ويدفعهم نحو العزوف أو الاحتجاج خارج المؤسسات.

توصيات الجلسة: نحو عقد اجتماعي حزبي جديد مع الشباب

وخلصت الجلسة النقاشية إلى جملة من التوصيات التي اتفق المشاركون على رفعها إلى الجهات المعنية، وفي مقدمتها ضرورة مراجعة التعليمات الناظمة للعمل الطلابي في الجامعات بما يزيل العوائق أمام تأسيس الفروع الحزبية الطلابية، وإطلاق حملة وطنية كبرى للتوعية بأهمية المشاركة الحزبية تستهدف فئة الشباب في المدارس والجامعات والمراكز الشبابية.

كما أوصى المشاركون بتشكيل مرصد إعلامي متخصص لرصد مشاركة الشباب في الأحزاب وتوثيقها، وتخصيص مساحات زمنية في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة لتسليط الضوء على تجارب الشباب الحزبية الناجحة، إلى جانب دعوة الأحزاب إلى تبني سياسات داخلية واضحة لإشراك الشباب في مواقع صنع القرار وليس فقط في المواقع التنفيذية.

واختُتمت الجلسة بتأكيد جميع الحضور على أن مشاركة الشباب في الأحزاب لم تعد مجرد خيار سياسي، بل اختبار حقيقي لجدية الإصلاح ومصداقية المؤسسات، وأن الشباب الأردني الذي أثبت جدارته في ميادين العلم والعمل والتطوع قادر تماماً على قيادة التحول الديمقراطي المنشود، متى ما توفرت له البيئة المشجعة والثقة المستحقة.