بحث" التوتر المتصاعد بين امريكا وأيران" بـ جمعية الشؤون الدولية
راصد الإخباري -
الثلاثاء - 3 شباط 2026 - توفيق الحجايا - في ظل تصاعد مؤشرات القلق الإقليمي والدولي من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة، استضافت جمعية الشؤون الدولية في العاصمة الأردنية عمان، أمس، حواراً استراتيجياً معمقاً ناقش جذور واستشرافات التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. وشكل اللقاء، الذي تولى تقديم قراءته التحليلية اللواء الركن المتقاعد عزام الرواحنة، منصة لفحص الاحتمالات المتزايدة لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين، انطلاقاً من تحليل تاريخي وصولاً إلى السيناريوهات المستقبلية المحتملة.
وافتتح اللواء الرواحنة مداخلته بالتأكيد على أن عنوان اللقاء يعكس خشية حقيقية من تحول المنطقة نحو ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران، أو دخولها مرحلة جديدة من التصعيد المحسوب. وطرح تساؤلاً جوهرياً حول سبب عدم وقوع المواجهة حتى الآن، وما هي الكلفة الاستراتيجية لتأجيلها أو الامتناع عنها، معتبراً أن هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن توقيت الضربة أو أسبابها المباشرة.
وانطلق التحليل من رؤية تاريخية تتعامل مع الصراع الأمريكي الإيراني باعتباره صراعاً بنيوياً وليس طارئاً، متجذراً في إرث إيران الحضاري وطبيعة نظامها السياسي الذي شهد تحولاً جذرياً من عهد الشاه إلى الثورة الإسلامية عام 1979. وأشار إلى أن الدور الإقليمي لإيران، بمرحلتيها العلمانية والدينية، كان غالباً ذا طابع وظيفي ضمن حسابات القوى الكبرى، يساهم في إبقاء حالة عدم الاستقرار المزمن في المنطقة.
وتوقف التحليل عند محطات مفصلية شكلت نقاط ارتكاز للتوسع الإيراني، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية، ومروراً بملء الفراغ السياسي والأمني في العراق بعد عام 2003، ووصولاً إلى الفرص التي أتاحها ما سُمي بالربيع العربي لبناء شبكة واسعة من الميليشيات والتحالفات في سوريا ولبنان واليمن. واعتبر أن هذه السياسة أدخلت المنطقة في دوامة فوضى استمرت لعقدين.
ولفت الرواحنة إلى أن هذا الدور بدأ يقترب من نهايته مع تحولات استراتيجية برزت منذ عام 2019، تمثلت بإعادة تموضع إسرائيل ضمن القيادة المركزية الأمريكية وطرح ما عُرف بصفقة القرن، حيث إن تفاصيل المشهد الحالي كانت مدرجة في بنودها. وفسر عمليات استهداف الأذرع الإيرانية في المنطقة، بما فيها التصعيد المرتبط بحرب غزة، على أنها جزء من استراتيجية أمريكية إسرائيلية متعددة الحلقات تهدف في نهايتها إلى قلب النظام الإيراني نفسه.
وشرح ما أسماه "الحلقات الخمس" لهذه الاستراتيجية، والتي تبدأ بالعقوبات الاقتصادية الخانقة، ثم ضرب الأذرع الإقليمية، فزعزعة الاستقرار الداخلي عبر الاحتجاجات، ثم العمليات الاستخبارية ضد منشآت وشخصيات حساسة، وصولاً إلى استهداف رأس النظام. وتساءل عما إذا كان دافع واشنطن هو أمن إسرائيل فقط، أم أنه جزء من رؤية أوسع للأمن القومي الأمريكي في مواجهة الصعود الصيني وإعادة تثبيت الهيمنة العالمية.
وفي البعد العسكري، أشار إلى أن مؤشرات مثل الزيارات المكثفة للقيادات الإسرائيلية لواشنطن والحشد العسكري الأمريكي المتواصل في المنطقة، لا يجب قراءتها كاستعراض قوة فحسب، بل كدلالات جدية على أن الخيار العسكري مطروح. وأعرب عن قناعته بأن الولايات المتحدة قادرة على حسم مواجهة عسكرية عبر ضربات دقيقة ضد مراكز القرار والمنظومات الصاروخية، دون حرب برية واسعة، لكنها تفضل تحقيق أهدافها عبر أدوات استخبارية وداخلية لتجنب كلفة الفوضى.
وعلى الصعيد العربي، رأى أن هامش التأثير يبقى محدوداً في ظل تجارب سابقة لم تؤدِ تغييرات الأنظمة بالقوة إلى استقرار، بل إلى تفكك أكبر. وأكد أن الموقف العربي ليس موحداً، فبعض الأطراف ترى في سقوط النظام الإيراني تهديداً للاستقرار وليس فرصة لتعزيزه.
وفي النقاش الذي أعقب المداخلة، تنوعت الآراء حول إمكانية إنهاء النظام الإيراني، فبينما رأى البعض أن طبيعة المجتمع الإيراني الفخور بتاريخه تشكل عائقاً أمام أي تغيير عبر تدخل خارجي مباشر، ركز رأي آخر على أن الهدف الحقيقي قد يكون تحييد مصادر القوة الاستراتيجية كالصواريخ الباليستية، وليس تغيير النظام بحد ذاته.
كما تباينت التوصيفات للدور الإيراني في الفوضى الإقليمية، بين من يربطها بالجرائم الإسرائيلية، ومن يرى أن سياسات طهران عمقت عدم الاستقرار عبر الميليشيات والصراعات بالوكالة. وناقش المشاركون مواقف القوى الدولية، فاعتبروا أن روسيا لا تذهب بعيداً في الدفاع عن حلفائها عند تعارض المصالح، وأن الصين تفضل تجنب الصدام المباشر والتركيز على الشراكة الاقتصادية.
وفي سؤال القدرة على الردع، جرى التمييز بين امتلاك القوة وقدرة استخدامها، مع الإشارة إلى أن لحظة الضربة الأولى ستكون حاسمة، وأن أي مواجهة ستأخذ طابع الحرب غير المتكافئة عبر الوكلاء. ولم يستبعد المشاركون كلياً المسار السياسي، حيث قد تلجأ إيران لتنازلات أكبر في الملف النووي، أو تفضل واشنطن صفقة سياسية محسوبة لتجنب كلفة الحرب.
وخلص اللقاء إلى أن العلاقة الأمريكية الإيرانية ملف معقد يحكمه صراع إرادات ومصالح متشابكة، وأن أي قرار بشأن إيران، التي تبقى رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية، محفوف بمخاطر جسيمة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. واختتم اللواء الرواحنة بالتأكيد على السؤال الجوهري: هل ستظل دول المنطقة أسيرة ردود الفعل، أم ستتمكن من اقتناص هامش فعل يضمن لها شيئاً من الاستقرار في عواصف إقليمية لا تبدو قريبة من الانحسار.







