الفنانة التشكيلية العراقية سهير السلمان

{title}
راصد الإخباري -


الاربعاء -30 كانون الأول 2028 - يوسف العامري -  تصدر الفنانة التشكيلية العراقية سهير السلمان، المشهد الفني كواحدة من أبرز القامات الإبداعية التي ساهمت في تشكيل ملامح الفن العراقي المعاصر. تُعدّ مسيرتها الفنية الممتدة لعقود، نموذجاً ملهماً للالتزام الفني والبحث الجاد، حيث نجحت في صياغة لغة بصرية خاصة، تجمع بين العمق الفلسفي والإتقان التقني، وتتناول قضايا الهوية والذاكرة والواقع الإنساني والاجتماعي بجرأة وحساسية عالية.

بدأت رحلة السلمان الفنية في فترة ازدهار الحركة التشكيلية العراقية، متأثرة بالإرث الغني الذي تركه الرواد الأوائل. انعكس هذا التأثر في أعمالها المبكرة التي اتسمت بلمسات تعبيرية وانطباعية واضحة، مع استخدام حيوي وجريء للألوان للتعبير عن الحالات الشعورية والنفسية. لم تكن تلك البدايات مجرد محاكاة، بل كانت منصة انطلاق لتطوير رؤيتها الفنية المستقلة.

شهدت المرحلة الوسطى من مسيرتها تحولاً مهماً نحو التجريد، مع احتفاظها بصلبة وثيقة بالواقع. طورت خلالها أسلوبها المميز القائم على المزج بين الشكل والتجريد، وبرز استخدامها للألوان الترابية والدرجات الداكنة التي منحت أعمالها عمقاً وجودياً وحزناً كئيباً، يعكس وطأة الظروف والصراعات التي مرت بها بلادها. كما بدأت بتجريب إضافة مواد وخامات متنوعة مثل النسيج إلى سطح اللوحة، مانحة إياها بعداً ملموساً يشترك مع المتلقي في اختبار نسيج الواقع نفسه.

يُعدّ محور الذاكرة والهوية العراقية من أبرز المحاور التي تشتغل عليها السلمان. تعيد الفنانة بعث الرموز والموروث الحضاري لبلاد الرافدين، من خلال استحضار النقوش المسمارية والزخارف التاريخية، لكنها تقدمها في سياق بصري معاصر، مشكلة حواراً خلاقاً بين الماضي والحاضر. عبر هذا الدمج، تؤكد على استمرارية الهوية وتجذرها رغم كل محاولات التشويه والانقطاع، حيث تظهر في أعمالها خرائط قديمة تتداخل مع وجوه أو أشكال تحمل أبعاداً تراجيدية، معبرة عن المدينة ككائن حي يحمل ذاكرته الجمعية.

تمتلك الفنانة مرونة كبيرة في التعامل مع وسائط فنية مختلفة، حيث لم تقتصر على الرسم وحده، بل توسعت لتعمل على دمج الوسائط. فقد وظفت التصوير الفوتوغرافي بشكل مكثف، إما كعنصر مستقل أو مندمج ضمن العمل التشكيلي الأكبر، مما وسّع من إمكانات التعبير لديها وأضاف أبعاداً جديدة لتجربتها.

تظل أعمال سهير السلمان شاهدة على زمنها، وتحمل رسالة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية. تمكنت عبر مشوارها الطويل من ترسيخ مكانتها كفنانة رائدة، ساهمت ليس فقط في إثراء المشهد البصري العراقي، بل أيضاً في تقديم صوت المرأة ووجهة نظرها ضمن حوارات الفن والهوية والذاكرة على المستوى العالمي.