استراتيجيات السعودية لتعزيز المرونة الاقتصادية في مواجهة الصدمات العالمية
لم تعد قوة الاقتصاد في الوقت الراهن تقاس فقط بمعدلات نمو الناتج المحلي او حجم الاحتياطيات. فقد برز معيار حيوي يتمثل في قدرة الاقتصاد على الصمود امام الصدمات المتلاحقة ومواصلة العمل خلال الازمات ثم التعافي والتكيف بعدها. واكتسب مفهوم المرونة الاقتصادية اهمية متزايدة في النقاش العالمي. حيث يمثل الاقتصاد المرن منظومة قادرة على الحد من آثار الازمات والحفاظ على وظائفها الاساسية واستعادة مسار النمو في وقت اقصر.
وتكتسب هذه المسالة اهمية خاصة بالنسبة للاقتصادات الخليجية وفي مقدمتها السعودية التي شهدت خلال العقد الاخير تحولات واسعة في هيكل الاقتصاد ومصادر الايرادات. واوضح صندوق النقد الدولي ان المرونة تعني قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات والتكيف معها مع الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي. وبين الصندوق ان هذه القدرة تعتمد على وجود مساحة كافية للسياسات المالية والنقدية واطر مؤسسية قادرة على ادارة الازمات.
واضاف بنك التسويات الدولية ان المرونة تتطلب ايضا الحد من تراكم الاختلالات المالية قبل وقوع الصدمة. واكد خبراء ان القدرة على الصمود تتكامل فيها السياسات الاحترازية والنقدية والمالية لمواجهة دورات الازدهار والانكماش. واشادت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا بمتانة اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي وقدرتها على احتواء تداعيات التوترات الجيوسياسية. مشيرة الى ان هذه المرونة تستند الى قوة الاسس المالية ووفرة الهوامش الخارجية ومتانة القطاع المصرفي.
وقال تيم كالين الباحث الزائر في معهد دول الخليج العربية ان المرونة الاقتصادية تعني قدرة الدولة على تحمل الصدمة السلبية باقل قدر ممكن من الاضطراب في النشاط المحلي. واضاف ان قياس هذه القدرة لا يقتصر على حجم الضرر الاولي بل يشمل سرعة التعافي. واكد ان الاقتصاد الاكثر قدرة على الصمود هو الذي يجمع بين الهوامش المالية وتنوع مصادر الانتاج والصادرات وتعدد الشركاء التجاريين.
وكشفت التجربة السعودية خلال السنوات الماضية عن تطور لافت في جودة صنع السياسات وسرعة الاستجابة. واوضح الدكتور احمد ناصر الراجحي نائب رئيس جمعية الاقتصاد السعودية ان تجربة المملكة تقدم مؤشرات عملية على تحسن هذه القدرة. مبينا ان النمو المتواصل للقطاع غير النفطي يعكس تزايد استقلالية محركات النمو وتراجع وزن القطاع النفطي في الناتج المحلي. واظهرت بيانات الهيئة العامة للاحصاء ان صافي تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الى السعودية سجل مستويات قوية تعكس ثقة المستثمرين رغم الظروف الاقليمية.
واشار الراجحي الى ان الهوامش المالية والاصول الحكومية ومتانة القطاع المصرفي توفر مساحة ضرورية للتحرك. مبينا ان ادارة الدين العام باتت اكثر كفاءة في تنويع مصادر التمويل. واوضح ان الاستثمار في البنية التحتية والبدائل اللوجستية يمثل جزءا اصيلا من المرونة الاقتصادية. حيث يقلل الاعتماد على مسارات نقل واحدة ويمنح الاقتصاد قدرة اكبر على التكيف مع اضطرابات سلاسل الامداد.
وختاما يرى اقتصاديون ان بناء المرونة عملية مستمرة تتطلب تكامل الجهود بين السياسات المالية والمؤسسية وتنمية رأس المال البشري. حيث لا تقاس المرونة فقط بالقدرة على عبور الازمات بل بالقدرة على الحفاظ على مقومات النمو والاستقرار وتطوير ادوات الامان بما يتناسب مع طبيعة المخاطر المتغيرة.







