البدادوة :خطاب الملك وضع العالم أمام مسؤولياته.. والأردن لن يشيح بنظره عن أمنه ومصالحه
راصد الإخباري -
بعد سماعي خطاب سيدي جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجلسة الافتتاحية للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وجدت أننا أمام خطاب يتجاوز حدود المناسبة ومكانها، ويحمل رسائل سياسية وإنسانية وقانونية واضحة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه الأزمات والحروب والانتهاكات التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها ما يجري في فلسطين.
وشاهدت أن جلالة الملك لم يتعامل مع مفهوم «الانتباه» باعتباره مجرد مسألة إعلامية، وإنما وضعه في سياق أعمق، حين أشار إلى أن الانتباه أصبح موردًا نادرًا، وأن ما يختار العالم منحه اهتمامه هو ما يحدد إلى حد كبير القضايا التي تحظى بالتحرك الدبلوماسي، وتلك التي تتراجع إلى هامش الاهتمام الدولي.
كما أن تحذير جلالته من أن ما نهمله اليوم غالبًا ما يشكل مستقبلنا، جاء في توقيت بالغ الأهمية، في ظل أزمات التفاوت الاقتصادي وانعدام الأمن الغذائي وتغير المناخ والحروب التي لم تعد آثارها محصورة داخل حدود الدول، وإنما تمتد إلى أسعار الطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار وأمن الشعوب حول العالم.
وقد كانت القضية الفلسطينية في صلب الخطاب الملكي، من خلال ما يجري في غزة والضفة الغربية، حيث وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام حقيقة أن استمرار الحرب والتدمير والاستيطان والتهجير لا يمكن التعامل معه باعتباره مجموعة من الأحداث المنفصلة، وإنما كمسار متكامل يهدد حق الشعب الفلسطيني في أرضه، ويقوض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.
وتوقفت كثيرًا عند السؤال الذي طرحه جلالة الملك أمام العالم: «هل سنتحرك؟»، لأنه سؤال يلخص جوهر المسؤولية الدولية في هذه المرحلة.
فالمجتمع الدولي لا يفتقر إلى الأدوات؛ فالعقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي وغيرها من أدوات الضغط موجودة، لكن ما يحتاجه العالم هو الإرادة السياسية لاستخدام هذه الأدوات بصورة فاعلة وعادلة، لأن غياب الردع يفتح الباب أمام مزيد من الشعور بالإفلات من العقاب، ويهدد الثقة بالقانون الدولي وبالنظام الدولي برمته.
وفيما يتعلق بالتطورات في سوريا، كان موقف جلالة الملك واضحًا في التأكيد على أن أمن الأردن ومصالحه ومياهه ليست مواضيع قابلة للتجاهل، وأن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو للأمن المائي هو تهديد مباشر للأمن القومي الأردني.
وهنا أؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية، لم ولن يشيح بنظره عن أمنه ومياهه ومصالح شعبه، مهما تعددت الأزمات وتشابكت الملفات الإقليمية والدولية.
وفي الوقت ذاته، لم يكن خطاب جلالة الملك خطابًا عن الأزمات وحدها، بل كان خطابًا عن المستقبل أيضًا؛ عن الأردن الذي يواصل بناء قدراته وتعزيز مكانته كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، وتوسيع الروابط الاقتصادية والتجارية، بالتوازي مع مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات وحماية أمنه الوطني.
كما حمل الخطاب تأكيدًا على استمرار الأردن في دعم صمود الشعب الفلسطيني ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، والتمسك بأمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، إلى جانب حماية الإرث المسيحي في موطنه التاريخي والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة خطاب الكراهية.
وما لفتني كذلك أن جلالة الملك لم يضع الدبلوماسية الأردنية في مواجهة الثوابت، بل أكد أن الانفتاح والحوار لا يعنيان التخلي عن المبادئ، وأن الأردن يستطيع أن يتحرك بعقلانية وثبات، وأن يعمل مع الجميع، دون أن يتنازل عن حقوقه أو عن مواقفه تجاه القضايا العادلة.
وفي ختام الخطاب، اتسعت الرسالة الملكية لتشمل غزة والسودان وأوكرانيا ومختلف مناطق الصراع، في تأكيد واضح على أن المبادئ لا ينبغي أن تتغير بتغير مستوى اهتمام العالم بالأزمات.
فالقوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن تطعم الجائع، ولا أن تعيد المهجر إلى بيته، ولا أن تبني سلامًا مستدامًا، ولا أن تعالج تحديات المناخ والهجرة والتطور التكنولوجي.
ولهذا فإن العالم بحاجة إلى مؤسسات تحظى بالشرعية، وإلى استعادة الثقة بين الدول وفي الاتفاقيات والقوانين؛ لأن انهيار هذه الثقة يجعل الأزمات أكثر تعقيدًا، بينما الحفاظ عليها يجعل التعاون والحلول ممكنة.
ومن وجهة نظري، فإن خطاب جلالة الملك حمل إلى العالم رسالة أردنية واضحة: الأردن متمسك بالقانون الدولي، ومؤمن بالدبلوماسية والسلام العادل، لكنه في الوقت ذاته يعرف حدوده ومصالحه وأمنه الوطني، ولن يتخلى عن مسؤولياته تجاه شعبه وقضاياه ومحيطه.
ويبقى المعنى الأعمق الذي خرجت به من خطاب جلالة الملك أن المستقبل لا يتشكل فقط بما يفعله العالم، وإنما أيضًا بما يختار أن يتجاهله.







