حين يصبح الفيديو شاهدًا مزيفًا ... والذكاء الاصطناعي اختبارًا لمصداقية الإعلام
التزييف العميق في الأردن
نجوى صالح الشنّاق
كاتبة وباحثة بالشؤون السياسية والإعلامية
لم تكن السيدة «سارة» (اسم مستعار) تتوقع أن الفيديو الذي ظهر أمامها عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي سيكون بداية تجربة جعلتها تعيد النظر في كل ما تشاهده عبر هاتفها. مقطع قصير بصوت واضح وصورة لشخصية معروفة يتحدث عن فرصة استثمارية، بدا حقيقيًا بما يكفي لدفعها إلى التفاعل معه، قبل أن تكتشف لاحقًا أن المحتوى جرى إنتاجه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن عملية احتيال رقمي.
وتكشف واقعة أخرى واجهها الإعلامي الأردني معاذ الردايدة عن جانب مختلف من خطورة هذا النوع من المحتوى. فقد انتشر على منصات التواصل الاجتماعي فيديو يتقمص شخصيته، مستخدمًا صوته وصورته وكأنه يظهر في نشرة أو برنامج إعلامي ويقدم للمشاهدين معلومات تروّج لتحقيق أرباح مالية كبيرة في الأردن.
ووصل الفيديو إلى الردايدة من عدد كبير من المتابعين الذين أرسلوه إليه للتأكد من صحة ما يروّج له، ومع اتساع دائرة تداوله، جرى التحقق من المحتوى ونفي صلته به، والتأكيد على أن الفيديو مولّد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتحوّلت الواقعة إلى مثال عملي على قدرة التزييف العميق على انتحال هوية الإعلامي وإعادة إنتاج حضوره أمام الجمهور بصورة تبدو حقيقية؛ فالمشاهد لم يكن أمام صورة ثابتة أو تسجيل صوتي منفصل، وإنما أمام فيديو يحاكي شخصية الإعلامي وصوته وصورته وطريقة ظهوره وكأنه يقدم مادة إعلامية حقيقية.
القصتان، رغم اختلاف سياقهما، تعكسان تحولًا أوسع في طبيعة التضليل الرقمي، مع انتشار تقنيات التزييف العميق (Deepfake) التي أتاحت إنتاج صور وفيديوهات وتسجيلات صوتية تحاكي أشخاصًا حقيقيين بدرجات متزايدة من الواقعية. ولم تعد عملية إنتاج هذا النوع من المحتوى حكرًا على أصحاب الخبرات التقنية المتقدمة، بل أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح للمستخدمين إنشاء محتوى مصطنع خلال وقت قصير.
في الأردن، يتقاطع هذا التطور التقني مع بيئة رقمية تشهد انتشارًا واسعًا للمعلومات المضللة والشائعات، ما يجعل التحدي أكبر بالنسبة للمؤسسات الإعلامية والجمهور على حد سواء. فالمشكلة لم تعد في قدرة التقنية على إنتاج محتوى مزيف فحسب، وإنما في قدرة الصحفي والمستخدم والمؤسسة على اكتشافه والتحقق منه قبل أن ينتشر ويؤثر في الرأي العام.
بيئة رقمية مهيأة لانتشار التضليل
وتكشف بيانات مرصد مصداقية الإعلام الأردني «أكيد» عن حجم البيئة الرقمية التي يمكن أن يتحرك فيها المحتوى المضلل؛ إذ رصد المرصد خلال عام 2025 نحو 1103 إشاعات، بمعدل يقارب ثلاث إشاعات يوميًا. وتشير البيانات إلى أن 980 إشاعة، أي نحو 89% من إجمالي الإشاعات المرصودة، جاءت عبر منصات التواصل الاجتماعي، فيما صُنّفت 974 إشاعة، بما يقارب 88%، على أنها ذات مصادر داخلية، مقابل 129 إشاعة، بنسبة 12%، ذات مصادر خارجية.
https://akeed.jo/post/1103-ashaaaat-fy-aaam-2025?utm_source=chatgpt.com
ولا تعني هذه الأرقام أن الإشاعات المرصودة كانت جميعها ناتجة عن تقنيات التزييف العميق، لكنها تعكس حجم البيئة الرقمية التي يمكن أن ينتشر فيها المحتوى غير الدقيق أو المضلل، وتوضح مدى تأثير منصات التواصل الاجتماعي في دورة انتشار المعلومات. ومع انتقال التضليل من النصوص والصور التقليدية إلى الفيديوهات والأصوات المصطنعة، يصبح التحقق أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما يحمل المحتوى المزيف ملامح شخص حقيقي أو صوته أو صورته، ويُقدَّم للمستخدم في قالب بصري يبدو للوهلة الأولى موثوقًا وحقيقيًا.
وتزداد خطورة هذه المواد عندما تنتشر عبر مقاطع قصيرة أو «ريلز» لا تمنح المستخدم وقتًا كافيًا للتوقف والتحقق، فتتحول الصورة أو الفيديو إلى عامل مؤثر في تشكيل الانطباعات والمواقف قبل التأكد من أصله.
الصحفي أمام اختبار جديد للمصداقية
يرى أستاذ الإعلام الرقمي الدكتور وسام الزعبي أن التزييف العميق غيّر طبيعة العمل الصحفي، فلم يعد نقل المادة المتداولة كافيًا، وإنما أصبح التحقق من أصلها وسياقها جزءًا أساسيًا من المسؤولية المهنية.
ويشير الزعبي إلى أن الصحفي يستطيع التعامل مع الفيديوهات التي تنتجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي من خلال مسارين متكاملين: الأول استخدام الأدوات والتقنيات المتخصصة في التحقق، والثاني قدرة الصحفي على تقييم مدى منطقية المحتوى نفسه وسياقه.
فبعض الفيديوهات قد تكون متقدمة تقنيًا، لكن مضمونها أو الظروف التي يظهر فيها الشخص قد تحمل مؤشرات على عدم منطقيتها. ومن هنا، فإن الوعي والإدراك وسعة الاطلاع والتفكير النقدي تصبح أدوات أولية للصحفي قبل اللجوء إلى الأدوات التقنية.
ويحذر الزعبي من أن التأثر بمقاطع الفيديو القصيرة والمتكررة على منصات التواصل يمكن أن يؤدي إلى تكوين صورة سلبية عن شخص أو دولة أو جماعة أو قضية، خصوصًا عندما يشاهد المستخدم المحتوى بصورة سريعة دون البحث عن مصدره أو سياقه.
ويؤكد أن الإعلاميين يمثلون «خط الدفاع الأول» أمام التضليل الرقمي، وأن امتلاك مهارات استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا بالنسبة للصحفي أو طالب الإعلام، بل أصبح ضرورة مهنية؛ فالصحفي الذي يفهم كيفية إنتاج المحتوى بالذكاء الاصطناعي يكون أكثر قدرة على اكتشاف المحتوى الذي تم إنتاجه باستخدام الأدوات نفسها.
ويرى الزعبي أن طالب الإعلام أو الخريج أو الممارس للمهنة يحتاج إلى معرفة كيفية استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التحقق من المعلومات وإعداد التقارير وإنتاج المحتوى، لكن مع الحفاظ على دوره الفكري والمهني وعدم تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بديل عنه. ويشبه ذلك بمبدأ «لا يفل الحديد إلا الحديد»، ففهم أدوات صناعة المحتوى المصطنع يمكن أن يساعد الصحفي على فهم نقاط الضعف فيه واكتشاف ما يختلف عن المحتوى الحقيقي.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي، بحسب الزعبي، على كشف التضليل، بل يمكن استخدامه في البحث وجمع المعلومات والوصول إلى الدراسات والبيانات وتوفير الوقت والجهد، على أن يبقى الصحفي هو من يقود الأداة، وليس العكس.
من الصحفي إلى غرفة الأخبار
لكن مسؤولية مواجهة التزييف العميق لا تتوقف عند مهارة الصحفي الفردية، بحسب الصحفية صفاء الرمحي، المدربة في التحقيقات الاستقصائية، التي ترى أن التقنية فرضت واقعًا جديدًا نقل التضليل من مجرد فبركة النصوص إلى «صناعة واقع بصري وصوتي بديل».
وتقول الرمحي إن هذا التحول أجبر الصحفيين على رفع معايير التحقق والتخلي عن «السبق السريع» لصالح الدقة، مشيرة إلى أن أدوات التدقيق الرقمي والبحث العكسي وتحليل البيانات الوصفية (Metadata) أصبحت من أهم خطوط الدفاع أمام المحتوى المشكوك فيه.
ويتقاطع هذا الطرح مع تجربة الإعلامي الأردني معاذ الردايدة، الذي يرى أن انتشار الفيديوهات المصطنعة يفرض على مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، والإعلاميين بشكل خاص، التعامل معها بحذر أكبر، مشيرًا إلى أن بعض مؤشرات التزييف يمكن ملاحظتها من خلال التدقيق في الصوت وحركة الشفاه وطريقة النطق واللغة. ويؤكد أهمية الرجوع إلى الصفحات الموثقة للمذيع أو المؤسسات الإعلامية للتحقق من أي محتوى منسوب إليهم، بدلًا من الاعتماد على مقطع متداول لمجرد ظهوره بصورة مقنعة.
لكن الرمحي ترى في الوقت ذاته أن التحدي لا يقع على الصحفي وحده، إذ تعتمد معظم غرف الأخبار على الاجتهادات الفردية للصحفيين أو على أدوات مجانية مفتوحة المصدر (OSINT)، في وقت لا يزال فيه الاستثمار المؤسسي في تقنيات الكشف المتقدمة والتدريب الدوري للكوادر محدودًا مقارنة بسرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتلفت الرمحي إلى مفارقة داخل غرف الأخبار؛ فالمؤسسات الإعلامية تركز بصورة متزايدة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، بينما لا يحظى الاستثمار في أدوات التدقيق والتحقق بالاهتمام نفسه.
وترى أن المواجهة تحتاج إلى انتقال التحقق من كونه اجتهادًا فرديًا إلى سياسة مؤسسية واضحة، من خلال وضع دليل إرشادي يلزم الصحفي بعدم نشر أي محتوى قبل التثبت من مصدره الأصلي عبر أكثر من خطوة.
كما تدعو إلى تدريب الصحفيين على أدوات كشف المعالجة الرقمية، واعتماد «التأكيد البشري» والحس النقدي كمرجع نهائي قبل النشر، والشفافية الكاملة في تصحيح الأخبار المفبركة فور اكتشافها، والاشتراك في برامج التحقق الذكية أو بناء شراكات مع المؤسسات المتخصصة.
وتضع إفادة الرمحي وتجربة الردايدة المؤسسة الإعلامية أمام مسؤولية موازية لمسؤولية الصحفي؛ فالتعامل مع التزييف العميق يحتاج إلى بيئة مهنية توفر الأدوات والتدريب والسياسات، لا مجرد مطالبة الصحفي بأن يكون قادرًا على اكتشاف كل محتوى مزيف بمفرده.
عندما تصبح التقنية أداة للكشف عن التقنية
من الجانب التقني، توضح مهندسة الحاسوب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي ميرفيت الهاشمي أن تطور نماذج الذكاء الاصطناعي جعل إنتاج الفيديوهات والصور المزيفة أكثر دقة، مع قدرة الخوارزميات على محاكاة تعابير الوجه وحركة الشفاه ونبرة الصوت.
وتشير إلى أن الاعتماد على العين البشرية وحدها لم يعد كافيًا في جميع الحالات، لأن بعض المحتويات المصطنعة أصبحت قادرة على تجاوز الملاحظة التقليدية، الأمر الذي يجعل استخدام أدوات الكشف المتخصصة وتحديثها باستمرار أمرًا ضروريًا.
وتؤكد الهاشمي أن المواجهة التقنية لا يمكن أن تعتمد على الوسائل التقليدية فقط، وإنما تحتاج إلى استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه في تطوير أنظمة قادرة على اكتشاف المحتوى المصطنع، بالتوازي مع تدريب المؤسسات الإعلامية والجهات المختصة على استخدام هذه الأدوات.
وتكشف هذه الرؤية أن المعركة بين المحتوى الحقيقي والمصطنع أصبحت سباقًا تقنيًا مستمرًا؛ فكلما تطورت أدوات إنتاج التزييف، احتاجت أدوات الكشف إلى التطور بالمستوى نفسه أو أسرع منه.
القانون الأردني... التجريم عبر الفعل والنتيجة
أما قانونيًا، فيوضح الدكتور المحامي صخر الخصاونة أن المشرع الأردني لم يتطرق إلى مصطلح «التزييف العميق» بشكل صريح، إلا أن ذلك لا يعني وجود فراغ قانوني أمام الأفعال المرتكبة باستخدام هذه التقنية.
ويشرح الخصاونة أن المشرع يعاقب على نتائج استخدام التقنية وطبيعة الفعل والضرر الناتج عنه، بحيث يمكن تطبيق النص القانوني المناسب بحسب الاستخدام، سواء تعلق الأمر بالذم والقدح والتشهير، أو اغتيال الشخصية والاعتداء على الصور أو الحض على الكراهية، أو الابتزاز والتركيب الإباحي، أو نشر وسائل مزيفة بهدف التشهير.
ويرى الخصاونة أن قانون الجرائم الإلكترونية يوفر في الوقت الحالي إطارًا قانونيًا يمكن التعامل من خلاله مع صور متعددة من الأفعال المرتبطة بالتزييف العميق، ولا يرى بالضرورة حاجة فورية إلى تشريع مستقل لمجرد تسمية التقنية، وإنما يبرز التحدي الحقيقي في الإثبات الرقمي.
ويشير إلى صعوبة تتبع المحتوى الذي ينتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، وسهولة حذفه أو تغييره، إضافة إلى التطور المستمر في تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يجعل إثبات مصدر المحتوى وطريقة إنتاجه تحديًا فنيًا أمام جهات التحقيق. ويقترح تطوير الخبرات المتخصصة في الإثبات الرقمي، وتطوير أساليب التحقيق، وتعزيز التعاون بين الخبراء التقنيين والقانونيين وصانعي المحتوى.
حماية الضحية تبدأ من الدليل
وترى المحامية نرجس صالح أن التعامل مع ضحايا التزييف العميق يحتاج إلى سرعة في حفظ الأدلة الرقمية، خصوصًا عندما يتعلق المحتوى بالتشهير أو الابتزاز أو انتحال الشخصية.
وتؤكد أهمية الاحتفاظ بالرابط ولقطات الشاشة وتاريخ النشر وأي معلومات متاحة حول الحساب أو الجهة التي نشرت المحتوى قبل حذفه أو تغييره، لأن سرعة التعامل مع الدليل الرقمي قد تكون حاسمة في متابعة الواقعة.
وتحذر من أن إعادة نشر المحتوى المزيف، حتى بهدف التحذير منه، قد تؤدي إلى توسيع دائرة انتشاره وزيادة الضرر الذي يلحق بالضحية. وتدعو إلى رفع مستوى الوعي القانوني والرقمي لدى المستخدمين، وعدم التعامل مع أي صورة أو تسجيل صوتي أو فيديو باعتباره دليلًا على الحقيقة لمجرد ظهوره بصورة مقنعة.
الدراسة الأردنية... التربية الإعلامية في مواجهة التزييف
وتتصل هذه المخاوف بما تناولته الدراسة الأردنية التي أعدها الدكتور وسام الزعبي والدكتور محمد حابس بعنوان: «فاعلية التربية الإعلامية والمعلوماتية في تعزيز وعي الجمهور بتمييز فيديوهات التزييف العميق (Deepfakes) على منصات التواصل الاجتماعي: دراسة مسحية»، التي تم عرضها في جامعة الشرق الأوسط في العاصمة عمّان.
وتتناول الدراسة قدرة الجمهور على التمييز بين الفيديوهات الحقيقية والمحتوى المصطنع، وتبرز أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية في تطوير مهارات التحقق والتفكير النقدي لدى الجمهور.
كما تؤكد أهمية رفع قدرات الإعلاميين في التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يساعد على الحد من انتشار المحتوى المزيف والحفاظ على مصداقية العمل الإعلامي.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما يطرحه الخبراء الذين قابلتهم معدة التقرير؛ فمواجهة التزييف العميق لا تبدأ فقط من أداة تقنية قادرة على اكتشاف الفيديو، وإنما من جمهور قادر على الشك والتحقق، وصحفي يعرف كيف يفحص المادة، ومؤسسة إعلامية تمتلك سياسة واضحة للتحقق، وخبراء قادرين على تحليل الأدلة الرقمية.
من الاحتيال إلى التأثير في الرأي العام
تكمن خطورة التزييف العميق في تعدد استخداماته؛ فقد يبدأ بفيديو احتيالي يستهدف فردًا، لكنه يمكن أن يمتد إلى انتحال شخصية مسؤول أو شخصية عامة، أو الإساءة إلى فرد، أو التشهير به، أو صناعة رواية سياسية أو اجتماعية مزيفة.
وفي السياق الإعلامي، تصبح المشكلة أكثر خطورة عندما يصل المحتوى المصطنع إلى الصحفي قبل الجمهور، لأن نشره عبر مؤسسة إعلامية يمنحه مستوى أعلى من المصداقية ويزيد من سرعة انتشاره. ولهذا فإن الصحفي لا يستطيع التعامل مع الفيديو باعتباره «مادة جاهزة للنشر»، بل باعتباره ادعاءً يحتاج إلى إثبات.
ويبدأ التحقق من السؤال عن المصدر الأصلي، ومتى ظهر المحتوى، ومن نشره أولًا، وهل توجد نسخة أصلية يمكن مقارنتها، وهل تتطابق المعلومات الواردة فيه مع الوقائع المعروفة، ثم الانتقال إلى الأدوات التقنية عند الحاجة.
الأردن أمام اختبار جديد
في الأردن، لا تبدو مواجهة التزييف العميق منفصلة عن التحديات الأوسع التي يفرضها الانتشار السريع للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي. فأرقام «أكيد» المتعلقة بالإشاعات، والتحذيرات الصادرة عن الجهات المختصة، وآراء الأكاديميين والصحفيين والخبراء القانونيين والتقنيين، تشير جميعها إلى أن القضية تحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات.
وفي الوقت الذي يرى فيه الزعبي أن الصحفي يجب أن يتعلم التقنية حتى يستطيع مواجهتها، تشير الرمحي إلى ضرورة أن تتحمل غرفة الأخبار مسؤوليتها في توفير أدوات التحقق والتدريب، بينما تضع الهاشمي التطور التقني في قلب المواجهة، ويشير الخصاونة إلى تحدي الإثبات القانوني، فيما تؤكد نرجس صالح أهمية حماية الضحية وحفظ الدليل الرقمي.
وتضيف تجربة الإعلامي معاذ الردايدة بُعدًا عمليًا إلى هذه الصورة؛ فالفيديو المزيف لم يكن مجرد محتوى تقني مصطنع، بل مادة انتحلت شخصية إعلامي حقيقي، مستخدمة صوته وصورته كما لو كان يقدم نشرة أو برنامجًا إعلاميًا، ووصلت إلى متابعين حقيقيين وأثارت لديهم تساؤلات حول إمكانية تحقيق أرباح مالية، قبل أن يتدخل التحقق الإعلامي لنفيها وكشف طبيعتها.
هذه المقاربات لا تقدم حلًا واحدًا للتزييف العميق، لكنها ترسم صورة أوضح لطبيعة المشكلة: التكنولوجيا تتطور، فيما تحتاج منظومة التحقق الإعلامي والقانوني والمجتمعي إلى التطور معها.
هل نحتاج إلى قانون جديد أم وعي جديد؟
لا تبدو مواجهة التزييف العميق قضية تقنية فقط، بل أصبحت قضية إعلامية وقانونية ومجتمعية. فالتحدي لا يكمن في إنتاج الفيديو المزيف فقط، بل في سرعة انتشاره وتأثيره قبل التحقق منه.
وقد لا يكون السؤال فقط ما إذا كان الأردن يحتاج إلى قانون جديد، بل أيضًا ما إذا كانت المؤسسات الإعلامية والجهات المختصة والجمهور يمتلكون الوعي والمهارات والأدوات اللازمة للتعامل مع واقع أصبحت فيه الصورة والصوت قابلين للصناعة والمحاكاة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الاستثمار في تدريب الصحفيين، وتطوير أدوات التحقق داخل غرف الأخبار، وتعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية، وتطوير الخبرات المتعلقة بالأدلة الرقمية، ورفع وعي المستخدمين، عناصر مترابطة في مواجهة الظاهرة.
ففي عصر أصبح فيه بالإمكان صناعة صورة وصوت يشبهان الحقيقة، لم يعد السؤال: هل الفيديو حقيقي لأنه يبدو حقيقيًا؟ بل أصبح السؤال الأهم: من أين جاء؟ وكيف نثبت أنه حقيقي؟
---
"تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية".
"استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه".







