حماية وحرية الصحفيين تكشف المشهد العربي بعد الحرب على إيران

{title}
راصد الإخباري -

عُقد يوم أمس الأربعاء الموافق 17 يونيو 2026، في مقر مركز حماية وحرية الصحفيين بالعاصمة عمان، منتدى إعلامي موسع حمل عنوان "المشهد العربي بعد الحرب على إيران"، وذلك في خطوة تعكس حرص المركز على مواكبة التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، وتوفير منصة حوارية مفتوحة أمام الصحفيين والمحللين والخبراء لقراءة تداعيات المتغيرات الإقليمية بعيداً عن التكهنات والخطابات الانفعالية. وشهد المنتدى حضوراً لافتاً من الأقلام الصحفية والإعلامية والأكاديمية، إلى جانب نخبة من المهتمين بالشأن السياسي والاستراتيجي، حيث شكل اللقاء فرصة لتبادل الآراء حول ملامح المرحلة المقبلة التي تعقب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على إيران، وانتهت بتوقيع اتفاقية سلام مثيرة للجدل أعادت رسم خرائط النفوذ في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

وفي كلمته الافتتاحية، رحب الأستاذ نضال منصور، مؤسس ورئيس مركز حماية وحرية الصحفيين، بالحضور، مشدداً على أن المركز إذ ينظم هذا المنتدى فإنما يضع نصب عينيه مسؤولية الإعلام العربي في لحظة تاريخية دقيقة، تتطلب وعياً استثنائياً وقدرة على قراءة المشهد بكل تعقيداته. وأكد منصور أن الحرب على إيران، رغم قصر مدتها الزمنية نسبياً، إلا أنها أحدثت زلزالاً جيوسياسياً غير مسبوق في المنطقة، أثر على موازين القوى بين الدول الكبرى والصغرى، وأعاد إنتاج تحالفات لم تكن في الحسبان، وفتح الباب أمام تساؤلات مصيرية حول مستقبل الأمن القومي العربي، وهو ما يستوجب من الإعلامي العربي أن يكون أداة تنوير لا أداة تضليل، وأن يمتلك الأدوات المعرفية التي تمكنه من تفكيك الخطابات الرسمية وتقديم قراءة موضوعية للمصالح الوطنية في ظل هذا التحول الكبير.

وتولى الصحفي والكاتب المعروف حسن البراري مهمة تقديم الورقة المركزية في المنتدى، حيث استهل حديثه بالتأكيد على أن المعرفة والاطلاع ليسا ترفاً فكرياً في زمن الحروب والاتفاقات المفاجئة، بل هما سلاح البقاء الوحيد أمام فيض المعلومات المضللة والأخبار الزائفة التي تغذيها منصات التواصل الاجتماعي. وأشار البراري إلى أن اتفاقية السلام بين الولايات المتحدة وإيران، التي تم التوقيع عليها مؤخراً، حملت في طياتها بنوداً لم تكن كلها معلنة، وأن قراءة مضامينها تتطلب فهماً عميقاً للخلفيات الاقتصادية والعسكرية والنفطية التي قادت الطرفين إلى طاولة المفاوضات بعد سنوات من التصعيد والمواجهة المباشرة. وأضاف أن هذا الاتفاق لم يولد من فراغ، بل جاء نتيجة لحسابات استراتيجية معقدة، تتعلق بضبط أسعار الطاقة، وإعادة تموضع القواعد العسكرية، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى رغبة واشنطن في تخفيف الضغط على جبهات متعددة في أوكرانيا وآسيا، ما يجعل المنطقة العربية أمام واقع جديد يتطلب إعادة تقييم جذري لسياساتها الدفاعية والدبلوماسية.

وبانتقاله إلى البعد الأردني تحديداً، أوضح البراري أن أهمية المعرفة والاطلاع على مصالح الأردن في مرحلة ما بعد الاتفاقية تنبع من موقع المملكة الجغرافي الحساس، ومن طبيعة علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، إذ إن أي تغيير في المعادلات الإيرانية-الأمريكية سينعكس مباشرة على ملفات حيوية بالنسبة للأردن، على رأسها ملف اللاجئين، والتعاون الأمني، والعلاقات التجارية مع دول الخليج، وكذلك الاستقرار الداخلي في ضوء التداعيات الاقتصادية لأي تقلبات في أسعار النفط أو حركة التبادل التجاري عبر الممرات البحرية القريبة. وشدد البراري على أن الأردن، الذي ظل طوال العقود الماضية عصياً على الانزلاقات الإقليمية الكبرى، بحاجة اليوم إلى قراءة استباقية للمشهد، تعتمد على مراكز أبحاث مستقلة وقنوات حوار مفتوحة مع جميع الأطراف، بعيداً عن الرهانات العاطفية أو التبعية العمياء لأي محور إقليمي، لأن طبيعة المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً وتطلب قدراً كبيراً من المرونة في التعامل مع الملفات العالقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي قد تتأثر مساراتها بتغير المواقف الدولية تجاه طهران وتأثير ذلك على دعم الفصائل المختلفة.

واستعرض البراري خلال مداخلته مجموعة من السيناريوهات المحتملة للمشهد العربي في السنوات الخمس المقبلة، متوقفاً عند ثلاثة محاور رئيسية: أولها يتعلق بتحولات التحالفات الإقليمية، حيث اعتبر أن اتفاقية السلام قد تشجع دولاً عربية كانت على خلاف مع إيران على إعادة فتح قنوات اتصال غير معلنة معها، خاصة في المجال الاقتصادي، وقد تؤدي إلى خريطة جديدة للتعاون الإقليمي لا تستند بالضرورة إلى التقسيمات الطائفية أو الأيديولوجية القديمة، بل إلى المصالح المشتركة في مجالات المياه والطاقة والاستثمار. أما المحور الثاني فتمحور حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، حيث توقع البراري أن تشهد القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا إعادة هيكلة، قد تشمل تخفيضاً تدريجياً للقوات أو تحولاً في مهامها نحو الدعم اللوجستي والاستخباراتي، مما يضع الدول العربية أمام مسؤولية أكبر في تأمين حدودها ومياهها الإقليمية، وهو ما يتطلب تعاوناً عربياً غير مسبوق في مجال التصنيع العسكري وتبادل المعلومات الاستخبارية.

أما المحور الثالث الذي تناوله البراري بإسهاب، فكان حول التأثيرات النفسية والاجتماعية للحرب على المجتمعات العربية، إذ لفت إلى أن الصور المروعة التي خرجت من جبهات القتال، وسيناريوهات التهجير والدمار التي تابعها الملايين عبر شاشات التلفزيون، تركت أثراً عميقاً في الوعي الجمعي العربي، وأثارت مخاوف وجودية حول هشاشة الدولة الوطنية في وجه الحروب غير المتماثلة. ودعا البراري في هذا السياق إلى ضرورة قيام المؤسسات الإعلامية العربية بدور توعوي حقيقي، لا يكتفي بنقل الخبر، بل يقدم تحليلات معمقة تساهم في بناء رأي عام واعٍ قادر على الضغط على صناع القرار من أجل سياسات أكثر شفافية وإنسانية، مشيداً في الوقت نفسه بدور مركز حماية وحرية الصحفيين في توفير مساحات للنقاش الحر والمسؤول، معتبراً أن مثل هذه المنتديات هي القلب النابض لأي نهضة فكرية عربية منشودة.

وشهد المنتدى نقاشاً موسعاً عقب الورقة الرئيسية، حيث تداخل الحضور بأسئلة واستفسارات تناولت جوانب متعددة، أبرزها دور الأمم المتحدة في مراقبة تنفيذ اتفاقية السلام، واحتمالية نشوب صراعات جديدة في مناطق أخرى مثل اليمن وليبيا نتيجة لإعادة توزيع النفوذ، وكذلك تأثير الاتفاقية على برنامج إيران النووي وما إذا كانت ستؤدي إلى تقييده فعلياً أم أنه مجرد تجميد مؤقت. واتفق المشاركون في ختام اللقاء على ضرورة متابعة تداعيات المشهد العربي الجديد من خلال عقد ندوات دورية تصدر عنها توصيات واضحة، ترفع إلى صناع القرار في الدول العربية، وتُعمم على النقابات الصحفية والمراكز البحثية لتكون مرجعاً في تحليل الأحداث المستقبلية.

من جانبه، أكد الأستاذ نضال منصور في تصريح ختامي للمنتدى أن مركز حماية وحرية الصحفيين سيبقى ملتزماً برسالته في الدفاع عن حرية التعبير وتمكين الصحفيين من أدوات المعرفة التي تمكنهم من ممارسة دورهم الوطني والمهني على أكمل وجه، مشيراً إلى أن المركز يعكف حالياً على إعداد منتدى آخر سيُعقد خلال الشهر المقبل يتناول التأثيرات القانونية والإنسانية للحروب على الحريات العامة، وسيدعو إليه خبراء من خارج المنطقة لتقديم تجارب مقارنة. وأضاف منصور أن ما شهده المنتدى من نقاشات ثرية يثبت أن الإعلام العربي، رغم كل الصعاب، قادر على إنتاج خطاب فكري راقٍ يسهم في تشكيل مستقبل أفضل، طالما توافرت له بيئة داعمة تحترم العقل وتقدس الكلمة الصادقة، مختتماً كلمته بالقول إن "الوعي هو الدرع الأول للأمة، والإعلامي المحترف هو حارس هذا الوعي، وواجبنا في المركز هو توفير كل ما يلزم ليؤدي هذه الرسالة السامية".