لبنان يسعى لتسريع استجابة مالية دولية لمواجهة أعباء الحرب
يشهد الملف المالي اللبناني حراكا موازيا للمسار السياسي الذي أثمر اتفاق هدنة لمدة عشرة أيام قابلة للتجديد. وتفيد التوقعات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي عاجل. إضافة إلى إبرام اتفاقيات تمويل إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تخصص هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء المتراكمة نتيجة الحرب المتكررة في نسختها الثانية. ويشمل ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.
ومع ترسيخ معادلة تربط بين تدفق الدعم المالي وتثبيت وقف إطلاق النار. والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل. كشف مسؤول مالي كبير لـ"الشرق الأوسط" عن وجود "أجواء إيجابية" رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن. وأضاف أن ذلك يأتي في إطار جهود مكثفة لحشد دعم مالي "استثنائي" مخصص لمساعدة النازحين. وإعادة إعمار البنى التحتية. والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمرة.
أوضح المسؤول المعني أن هناك إشارات واعدة ظهرت في الاستجابة السريعة لطلب الوفد اللبناني من البنك الدولي. وتمثلت بتوقيع اتفاقية تمويل بقيمة 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج "أمان" للأسر الأكثر فقرا وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.
بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهما عميقا للاحتياجات المالية الطارئة. وأعربت عن أملها في ترجمة ذلك قريبا إلى اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام. والناتج تلقائيا عن قرار "التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية" منذ ربيع عام 2020.
وفي سياق متصل، تتطلع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي. إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي. تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة. ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد. وشدد على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة. مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان. نظرا لما يمثله من حاجة ملحة في مرحلة ما بعد الحرب. إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
بينما فرضت الحرب والمواجهات العسكرية. بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. تغييرا جوهريا في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. وفي المقابل. تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق. بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي. إلى وقت لاحق. ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.
وفي ختام برنامج مكثف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة. الهادفة أساسا إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار. واصل وزير المالية ياسين جابر. لقاءاته في العاصمة الأميركية. وتضمنت هذه اللقاءات بحثا مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي. جهاد أزعور. في الاستحقاقات المالية الداهمة. وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين. بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.
شدد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي. على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات الممولة من قبله. والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي. والعمل على توجيهها. بما ينسجم مع الحاجات المستجدة. ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.
بينما رجح المسؤول المالي المعني أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة. وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معززة بمسوحات ميدانية. بما يمهد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة. ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.
أفادت تقديرات أولية بأن حجم الخسائر المسجلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار. ما يرفع حكما احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار. لتشكل مجددا مركز الثقل في التقديرات المرتقبة. فضلا عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل. التي كانت قد ناهزت سابقا 7.2 مليار دولار.
وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي. عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة. فإن العدوان على لبنان شكل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد. الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019. تمثلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي. وتدهور الميزانية. وضعف المؤسسات.
أشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي. تبعا لمدة الصراع. وفي المقابل. قدر وزير المالية. خلال اجتماعاته في واشنطن. احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علما بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلبا أو إيجابا بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.
ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تسبب خسائر كبيرة. لاحظ المعهد الدولي أن تراجع حركة السياحة يشكل السبب الرئيسي للانكماش. والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة. كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة. قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد. وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة. ما أدى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.
وبالتوازي. أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص. أي نحو 20 في المائة من السكان. فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل. وارتفاع معدلات البطالة. وتعطل الأعوام الدراسية. والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية. في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة. ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.







