لبنان يستعد لمفاوضات مباشرة مع اسرائيل برعاية عون
يشهد لبنان حراكا سياسيا ودبلوماسيا مكثفا في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار، حيث يهدف هذا الحراك إلى تهيئة الظروف المناسبة لإطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وذلك في محاولة لتحويل الهدنة المؤقتة إلى مسار تفاوضي مستدام يضمن تحقيق الاستقرار، وتتكامل الجهود الداخلية التي تبذلها مؤسسات الدولة مع التحركات الخارجية على أكثر من صعيد، وتلعب المملكة العربية السعودية دورا مهما في هذا الإطار، حيث وجه الرئيس جوزيف عون الشكر للمملكة على جهودها.
تلقى الرئيس عون اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجرى خلال الاتصال بحث التطورات الأخيرة، وعلى رأسها الإعلان عن وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى التحضيرات الجارية لإطلاق المفاوضات بناء على مبادرة الرئيس عون، وأكد البيان الصادر عن الرئاسة اللبنانية أن الرئيس عون أعرب عن شكره للرئيس الفرنسي على الدعم الذي يقدمه لبنان وفرنسا في مختلف المجالات، وعلى المساعدات التي قدمتها بلاده لإنهاء معاناة الشعب اللبناني.
على الصعيد الداخلي، يقود الرئيس جوزيف عون بالتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام مسارا سياسيا يهدف إلى بلورة موقف لبناني موحد تجاه المفاوضات المرتقبة، وشكل الاجتماع الذي عقد بينهما صباح اليوم محطة أساسية لتقييم مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ووضع تصور أولي للإطار التفاوضي بما يضمن حماية المصالح اللبنانية.
أفاد بيان صادر عن رئاسة الجمهورية بأن الرئيسين أجريا تقييما لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار والمساعي الجارية لتثبيته، بما في ذلك الاتصالات التي أجراها رئيس الجمهورية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو وعدد من قادة الدول العربية والأجنبية.
بين سلام عقب اللقاء أن البحث مع الرئيس عون تناول أيضا الجاهزية اللبنانية للمفاوضات، بالإضافة إلى متابعة تنفيذ قرارات مجلس الوزراء، وعلى رأسها القرار الذي صدر في الجلسة الأخيرة للمجلس والقاضي بتعزيز بسط سلطة الدولة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها.
أعرب سلام عن أمله في أن يتمكن النازحون بعد ثبات وقف إطلاق النار من العودة الآمنة إلى منازلهم في أقرب وقت، مؤكدا أن الدولة اللبنانية ستواكب عودتهم وتقدم كل ما هو مطلوب منها لتسهيل هذه العودة، وعلى رأسها ترميم الجسور المهدمة وفتح الطرق وتأمين المستلزمات في المناطق التي ستكون العودة إليها آمنة وممكنة.
قالت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية إن اللقاء بين عون وسلام تناول موضوع المفاوضات المحتملة، وأكد رئيس الجمهورية أن لبنان جاهز للدخول في مفاوضات مباشرة فور تحديد موعدها، وأن الجانب اللبناني سيكون على أتم الاستعداد عند انطلاقها، وأشارت إلى أن تشكيل الوفد اللبناني سيتم بناء على تركيبة الوفد الإسرائيلي، مع ترجيح أن يقتصر على السفير سيمون كرم رئيسا، إلى جانب معاون له وضابط من الجيش اللبناني، ويأتي ذلك بعدما اصطدمت محاولة الرئيس عون بتشكيل وفد تفاوضي يمثل مختلف الطوائف برفض الطرف الشيعي الذي يمثله حزب الله ورئيس البرلمان نبيه بري.
أشارت المصادر إلى أن الورقة اللبنانية باتت جاهزة وخطوطها العريضة واضحة وتتمحور حول تثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها وعودة الأسرى، بالإضافة إلى البند المتعلق بالنقاط الـ 13 المختلف عليها بين لبنان وإسرائيل والمرتبطة بالخط الأزرق.
أكدت المصادر أن لقاء قريبا بين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير مطروح في المرحلة الراهنة.
ذكرت المصادر أن لقاء عون وسلام تطرق إلى موضوع نزع السلاح في بيروت في إطار تنفيذ قرار الحكومة، ولا سيما بعد ما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر وقف إطلاق النار مساء الخميس، إلى جانب التشديد على ضرورة عودة النازحين إلى قراهم والعمل على تأمين المساعدات اللازمة وتمويل عملية العودة بما يضمن استقرارهم في مناطقهم.
تتوقف المصادر عند الدور السعودي البارز في المرحلة الأخيرة من الاتصالات التي سبقت وقف إطلاق النار، وذلك في ظل الجهود التي تبذلها عدد من الدول لدعم الاستقرار في لبنان، حيث دخلت المملكة العربية السعودية على خط التحرك عبر وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان والأمير يزيد بن فرحان المكلف بالملف اللبناني.
كشفت المصادر الوزارية أن زيارة النائب علي حسن خليل المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الرياض قبل أيام كانت بدعوة من المملكة لوضعه في أجواء الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار، مشيرة كذلك إلى اتصالات قامت بها السعودية دعما للموقف اللبناني، وعلى رأسها فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، في موازاة تأكيدها الاستمرار في دعم التحرك والمواقف اللبنانية سعيا منها لتكريس الاستقرار وتعزيز فرص نجاح المسار التفاوضي.
برزت في الداخل اللبناني سلسلة مواقف سياسية داعمة لرئيس الجمهورية وخياراته في إدارة المرحلة، وعد وزير الإعلام بول مرقص أن ما تحقق من وقف لإطلاق النار نتيجة الجهود الدولية يشكل فرصة يجب عدم تفويتها، مؤكدا أن لبنان يسعى إلى تثبيت هذا الوقف وجعله مستداما بالتوازي مع تحقيق مطالب أساسية، وعلى رأسها انسحاب إسرائيل والإفراج عن الأسرى ومعالجة النزاعات الحدودية، كما شدد على تمسك لبنان بمسار تفاوضي خاص به بعيدا عن أي مسارات إقليمية أوسع وبغطاء دولي، ولا سيما من الولايات المتحدة.
عبر النائب أشرف ريفي عن دعمه الكامل لرئيس الجمهورية، معتبرا أن اللبنانيين يراهنون على هذا المسار لاستعادة الدولة وهيبتها، داعيا إلى المضي قدما في مشروع استعادة السيادة ووضع حد للفوضى التي أنهكت البلاد، وتعكس هذه المواقف توجها داخليا متناميا لمنح الدولة فرصة فعلية لإثبات قدرتها على إدارة المرحلة الحساسة، خصوصا في ظل الدعم الدولي المتزايد.
ركزت مواقف سياسية أخرى على ضرورة استثمار الهدنة لتحقيق تقدم فعلي في ملف التفاوض بالتوازي مع معالجة القضايا الداخلية العالقة، وشدد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على أن لبنان يقف أمام لحظة حاسمة تتطلب قرارات واضحة، معتبرا أن مهلة وقف إطلاق النار تشكل اختبارا لقدرة الدولة على فرض سيادتها، وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لحصر السلاح بيد الدولة، إذ لا يمكن قيام دولة فعلية في ظل تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، محملا حزب الله مسؤولية إدخال لبنان في دائرة المواجهة.
دعا جعجع إلى تعزيز حضور الجيش في المناطق الحدودية، ولا سيما لحماية القرى ومنع تهجير سكانها، مشددا على ضرورة ربط أي دور سياسي مستقبلي للحزب بالتزامه الكامل بالدستور وقرارات الدولة.
أكد النائب إبراهيم منيمنة أن تسليم السلاح لا يشكل استسلاما بل خطوة نحو إعادة التوازن الوطني، كما حذر من هشاشة الهدنة، مشيرا إلى أن نجاحها مرتبط بتطورات أوسع، وعلى رأسها العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران واحتمالات الوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد.
قال النائب وضاح الصادق إن الرئيس عون حسم الجدل وأكد أن استعادة الدولة سيادتها وهيبتها لا جدال فيها، الدولة وحدها تفاوض ووحدها تحمي شعبها وتصون أرضها ووحدها تعمل على استعادة كل شبر من لبنان وتعيد الإعمار، وأضاف أنه بعد قرارات الحكومة أسقط الرئيس منطق سلاح حزب الله نهائيا وأنهى هيمنة إيران على قرار لبنان.







