صندوق النقد يحذر: الشرق الاوسط يواجه تحديات اقتصادية غير مسبوقة والسعودية تبرز كنموذج
أكد صندوق النقد الدولي اليوم أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تمر بمرحلة اقتصادية حرجة وغير مسبوقة، وذلك في أعقاب الحرب التي اندلعت في فبراير عام 2026. وأوضح الصندوق أن هذا الصراع تجاوز كونه مجرد أزمة حدودية، ليتحول إلى هزة عنيفة أثرت بشدة على الممرات الاقتصادية الحيوية، مما أدى إلى صدمة عالمية في قطاع الطاقة واضطراب في سلاسل الإمداد.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة، أشار صندوق النقد إلى أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود، حيث تمكن من استيعاب التداعيات الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي. وأرجع الصندوق هذا الأداء القوي إلى الأسس التي وضعتها "رؤية 2030"، والتي ساهمت في تعزيز السياسات المالية المتينة والقدرات اللوجستية التي مكنت المملكة من التكيف مع التغيرات الجيوسياسية الحادة.
وبين مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرض لتحديث "تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي" في واشنطن، أن الحرب الحالية تعيد تشكيل خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود. وأضاف أن توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز أدى إلى تعطيل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، مما تسبب في ارتفاع أسعار خام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل. وأشار إلى أن الأزمة لم تقتصر على النفط، بل امتدت لتشمل إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متجاوزة المستويات القياسية التي سجلت خلال أزمة أوكرانيا في عام 2022، مما أثر على أمن الطاقة العالمي.
وقال أزعور إن اضطرابات الطاقة الناتجة عن الحرب ستؤثر بشكل كبير على اقتصادات دول الخليج المصدرة للنفط والغاز. وأضاف أن الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، ستواجه تحديات نتيجة لارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض تحويلات العاملين في دول الخليج.
وتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤاً ملحوظاً في النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذا العام، حيث من المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة للحرب، قبل أن يشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن الصندوق.
وأوضح أزعور أن الأزمة لا تتعلق فقط بالنفط والغاز، بل تشمل أيضاً تأثير الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي يتم إنتاجها في المنطقة، والتي تتمتع بموقع استراتيجي. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خاصة مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية، حيث توفر دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات سيمثل تهديداً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية للملايين.
وأضاف أزعور أن الصراع أثر أيضاً على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، خاصة في مجال الطيران والخدمات اللوجستية.
ولفت صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد بشكل كبير على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال تفاقمت الحرب أو طالت مدتها.
وأكد أزعور أن أحد أهم الدروس التي تعلمها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز هو ضرورة تنويع طرق التجارة كضمانة لاستمرار تدفق السلع والطاقة.
وفي هذا السياق، أشار أزعور إلى أن النهج الذي اتبعته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي، حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر وتوسيع شبكات الربط البري والسككي في تقليل الاعتماد على ممر مائي واحد.
ويرى أزعور أن هذه المرونة في إنشاء مسارات تجارية موازية مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الاضطرابات التي شهدتها ممرات إقليمية أخرى، مما جعل المملكة نموذجاً عالمياً في كيفية حماية الأمن الاقتصادي من خلال تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للخطر.
وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان تمكن البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.
وأضاف أن هذه الإصلاحات سمحت لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنها ساهمت في زيادة الاحتياطيات وتوفير مزيد من الاستقرار للسوق.
وأشار التقرير إلى وجود تفاوت في القدرة على استيعاب الصدمات بين دول المنطقة، فبينما واجهت قطر انخفاضاً كبيراً في توقعات النمو نتيجة لتضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن، مما دفع أزعور للتأكيد على استعداد الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي اللازم.
وختم أزعور بالقول إنه في حال تحسن إنتاج النفط وفتح مضيق هرمز، فإن ذلك سيمكن الدول من زيادة إنتاجها بسرعة كبيرة، كما أن ارتفاع أسعار النفط سيساعد الدول المنتجة للنفط على استعادة بعض المكاسب التي خسرتها بسبب الأزمة.







