سكان ضاحية بيروت يتفقدون منازلهم باستغلال الهدنة الحذرة
يتوجه النازحون من ضاحية بيروت الجنوبية بحذر وقلق نحو منازلهم لتفقدها وسحب بعض الحاجيات اليومية والملابس، ثم يعودون أدراجهم مستغلين تهدئة هشة لا يعرفون إن كانت وهماً أم حقيقة.
أظهرت وسائل إعلام نقلا عن مسؤول في «حزب الله» أن هناك «ما يبدو أنه تحييد للعاصمة وضاحيتها الجنوبية»، وذلك منذ التصعيد الكبير يوم الأربعاء الماضي، حيث لم تتعرض الضاحية لأي غارة إسرائيلية رغم وجود المسيَّرات في أجوائها، بينما لم تعلن الدولة اللبنانية أو إسرائيل أو الولايات المتحدة شيئاً من هذا القبيل، مما أبقى السكان في دائرة القلق.
بين التهدئة غير المعلنة وغياب الغارات، يتحرك الناس على قاعدة الفرصة المؤقتة، يختبرونها سريعاً ثم ينسحبون، لأنهم لا يعرفون متى تُقفل مجدداً.
في منطقة المريجة، قالت زينب لـ«الشرق الأوسط» إنّ «ما يقال عن تحييد بيروت لم يمنحها شعوراً حقيقياً بالأمان، لكنه أتاح لها نافذةً صغيرة لاتخاذ قرارٍ ظلّ مؤجلاً»، موضحة أنها نزلت إلى منزلها مترددة ومحكومةً بحسابٍ دقيق بين الخوف والحاجة، فقط لتجلب الكتب المدرسية لابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاماً.
أضافت: «لم يكن النزول قراراً سهلاً، لكنني شعرت بأن عليّ استغلال أي هامش يقال إنه متاح مهما كان هشّاً»، مشيرة إلى أن هذه الخطوة لم تكن مجرّد إجراء عملي، بل محاولة لحماية ما تبقى من انتظام حياة ابنتها، ومبينة أنها لا تريد لابنتها أن تخسر عامها الدراسي أيضاً بعد ما يخسروه يومياً من أمان واستقرار.
داخل المنزل، بدت اللحظة مشحونة بالتناقض، فالشوارع هادئة أكثر من اللازم والحي مألوف وغريب في آنٍ معاً، وتحركت بسرعة لجمع الكتب والدفاتر وبعض الحاجيات وغادرت من دون أن تطيل البقاء، قائلة إن التعليم في مثل هذه الظروف يتحول إلى «محاولة للتمسك بالحياة».
أشارت زينب إلى أنها تتعامل مع عناوين التهدئة بحذر ولا تبني عليها «قرارات طويلة الأمد»، بل تتحرك «وفق فرص صغيرة»، مؤكدة أن الهدوء الحالي «ليس طمأنينة بل صمت ثقيل يسبق المجهول».
في بئر العبد، وصف حسن ما جرى خلال الأيام الماضية بأنه «نزول خاطف» لا أكثر، مؤكدا أنه لم تكن عودةً فعلية إلى الحياة، بل لحظات قصيرة اقتنصها الأهالي لاستعادة بعض ما تركوه خلفهم، وأن الذي كان ينتظر الفرصة كان ينزل لعشر دقائق أو ربع ساعة بالكاد، يلتقط ما يستطيع ثم يغادر فوراً.
أوضح حسن أن هذا السلوك يعكس تبدل حسابات الناس مع امتداد الحرب، وأن كثيرين نزلوا لجلب ملابس صيفية وربيعية بعدما ظنوا في البداية أن النزوح سيكون قصيراً، بينما صار واضحاً أن الأمور قد تطول.
بين حسن أن الحاجة ليست وحدها ما يدفع الناس إلى النزول، بل أحياناً الحنين هو الدافع الأول، مستعيداً تجربته الشخصية حين توجه إلى برج البراجنة حيث غير زيت سيارته، مبينا أن الأمر لم يكن مجرد تصليح سيارة بل محاولة للتمسك بتفصيل صغير من حياته الطبيعية، وأنه في تلك اللحظة بدت بعض المحال مفتوحة بشكل متقطع في مشهد يعكس إصراراً خجولاً على الاستمرار.
كما وصف حسن المشهد في الضاحية بأنه متقلب ومربك، قائلا: «في لحظة تشعر بشيء من الأمان، ترى الناس في الشارع أو محالاً مفتوحة فتقول إن الحياة عادت، لكن هذا الإحساس هش، فبعض الطرق تشهد حركة محدودة فيما تبدو أخرى شبه مشلولة كأنها تعيش بين حالتين: الحياة والتوقف».
أكد حسن أن الحنين يدفعك إلى النزول لكن الخوف يوقفك عند أول زاوية، مشيرا إلى تباين ردود الفعل بين من ينزل ليتفقد بيته من داخل السيارة فقط ومن يرفض المخاطرة تماماً.
في منطقة السان تيريز، قال أحد أبناء المنطقة إنه استند إلى ما تردد عن تحييد بيروت لينزل إلى منزله مدفوعاً بهامش من الأمان قيل إنه متاح، موضحا أن المنزل كان قد تعرض لدمار جزئي لكنه بقي قائماً، ما عزز لديه الأمل بأن يجد ما تركه كما هو.
قال لـ«الشرق الأوسط»: «لم أكن مطمئناً بالكامل لكنّني شعرت بأن الفرصة قد لا تتكرر»، مضيفاً أنه أراد «أن يرى البيت بعينيه بعد أسابيع من الغياب».
لكن اللحظة التي توقع أن تحمل شيئاً من الطمأنينة تحولت إلى صدمة، إذ فوجئ بأن المنزل تعرض للسرقة وأن الأغراض لم تعد موجودة، معتبرا أن الخسارة لم تكن مادية فقط بل نفسية أيضاً، وشعر بأن الأمان الذي استند إليه لم يكن موجوداً أصلاً.
وصف إحساسه عند الوصول بأنه «ثقيل لا يوصف»، مضيفاً: «ما يقال شيء وما نعيشه شيء آخر»، مؤكدا أن التجربة كشفت عن هشاشة كل ما يبنى على عناوين التهدئة وطرحت سؤالاً أكبر عن معنى الأمان نفسه في ظل واقع متقلب.
في حارة حريك، قال مروان إن الحركة لا تزال «محدودة ومتقطعة مع غياب أي مؤشر إلى عودة واسعة للسكان، فبعض الأحياء شبه خالية وأخرى تشهد حركة خجولة لا تعكس اطمئناناً فعلياً».
أوضح مروان أن هذا التفاوت يرتبط بتقدير كل مجموعة لمستوى المخاطر، وأن الناس يتصرفون بحذر شديد، فهناك من يفضل التريث وآخرون يحاولون تدبير أمورهم بالحد الأدنى، لكن العامل الحاسم يبقى القلق حتى لدى من يخرجون لقضاء حاجاتهم.
في تجربته الشخصية، اضطر مروان إلى النزول لتأمين احتياجات أسرته خصوصاً الملابس، معتبرا أن الأمر لم يكن مجرد تدبير موسمي بل «استعداداً لمرحلة قد تطول»، وأنه جلب ملابس صيفية وربيعية لأنه يشعر بأن الحرب لن تنتهي قريباً.
أما عن الإحساس بالأمان، فوصفه بأنه «ارتياح مؤقت سرعان ما يتلاشى»، ورأى أنّ «الحديث عن التهدئة يمنح الناس لحظة نفسية أفضل، لكن في داخلهم لا يزالون يتوقعون الأسوأ، لذلك لا يتصرفون كأن الأمور حسمت نحو التهدئة».







