السعودية تستخدم قدرات البنك المركزي للنفط لمواجهة صدمة هرمز
في ظل التحديات التي تواجه أسواق الطاقة العالمية نتيجة للتوترات الإقليمية، برزت السعودية كركيزة أساسية في الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي وتجنب صدمات غير مسبوقة في إمدادات النفط. وبينما كانت التوقعات تشير إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، نجحت الرياض في السيطرة على الأسعار عند مستوى 112 دولارا للبرميل. وذلك بفضل بنيتها التحتية المتطورة وخياراتها اللوجيستية المرنة التي أكدت للعالم أنها ليست مجرد منتج للنفط، بل هي بمثابة "البنك المركزي للطاقة" الذي يدعم عملائه في أوقات الأزمات.
أكد خبراء لـ"الشرق الأوسط" أن الخط الاستراتيجي "شرق-غرب" (بترولاين) لعب دورا حاسما في إدارة هذه الأزمة، مما يعكس أهمية الاستثمارات السعودية في تطوير البنية التحتية للطاقة.
بين عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي فضل البوعينين أن السعودية تعزز مكانتها كـ"بنك مركزي للنفط العالمي" من خلال إدارة فعالة وسياسات واضحة تهدف إلى تحقيق التوازن وضمان استدامة الإمدادات.
استراتيجية السعودية كبنك مركزي للنفط
أضاف البوعينين أن هذا الدور تجسد بوضوح خلال أزمة مضيق هرمز، حيث تمكنت المملكة من تحويل مسار صادراتها من الشرق إلى الغرب عبر خط الأنابيب الاستراتيجي (بترولاين).
بين أنه تم ضخ حوالي 7 ملايين برميل يوميا إلى ميناء ينبع، حيث وُجه جزء منها إلى المصافي المحلية، بينما تم تصدير الجزء الأكبر إلى الخارج.
أوضح البوعينين أن السعودية تمارس دورها بكفاءة عالية وفق سياسة واضحة تعتمد تحقيق التوازن الأمثل في الأسواق والتجاوب مع المتغيرات العالمية، وبما يضمن استدامة إمدادات الطاقة دون انقطاع.
بدائل آمنة وموثوقية عالمية
اعتبر البوعينين أن امتلاك "أرامكو السعودية" لبدائل تصديرية آمنة مكن المملكة من تجاوز الأزمة وطمأنة الأسواق. مؤكدا أن هذه الموثوقية هي نتاج استثمارات ضخمة وطويلة الأمد في قطاعات الإنتاج والنقل، بالإضافة إلى بناء مخزونات خارجية استراتيجية تعمل كصمام أمان لأي انخفاض طارئ في الصادرات.
شدد البوعينين على أن "أرامكو" تلعب دورا محوريا في صياغة خطط الطوارئ الاستباقية للتعامل مع المخاطر الجيوسياسية الراهنة.
كبح جماح الصدمة النفطية
فيما يخص إغلاق مضيق هرمز، أوضح البوعينين أن حجب خُمس الاحتياج العالمي من النفط شكل صدمة حادة للاقتصاد الدولي وهدد أمن الملاحة، إلا أن البدائل السعودية خففت من وطأة الأزمة عبر استخدام المخزونات العالمية لتعويض النقص.
أكد البوعينين أن التزام المملكة تجاه عملائها وعدم لجوئها لإعلان "القوة القاهرة" كان العامل الحاسم في منع أسعار النفط من القفز فوق حاجز 150 دولارا.
تحذير من تداعيات مضاعفة
استدرك البوعينين محذرا من أن تداعيات الصدمة الحالية قد تتضاعف إذا لم يتوصل المجتمع الدولي لحل يؤمن الملاحة في المضيق، نظرا لارتباط ذلك بقطاعات حيوية كالزراعة والبتروكيميائيات.
تساءل البوعينين حول كفاية الجهود الحالية، مؤكدا أن الاستقرار الحقيقي يتطلب ضمان تدفق النفط من كافة الدول المنتجة كسبيل وحيد لضبط الأسعار وطمأنة الأسواق بشكل مستدام.
الجغرافيا المرنة والبحر الأحمر كخيار استراتيجي
من ناحيته، أكد رئيس "مركز الشروق للدراسات الاقتصادية" الدكتور عبد الرحمن باعشن أن الرياض نجحت في توظيف "جغرافيتها المرنة" عبر استثمار البدائل الملاحية التي تديرها "أرامكو السعودية"، مما عزز ثقة أسواق الطاقة العالمية بالرغم من تداعيات الصراع الإقليمي الراهن.
أشار باعشن إلى أن المملكة استطاعت إيجاد البديل المائي لمضيق هرمز عبر البحر الأحمر كخيار استراتيجي لتصدير البترول، الأمر الذي مكن "أرامكو" من الحفاظ على ضخ الطاقة بشكل انسيابي ومقدر، مرسخة بذلك الثقة الدولية في قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها تحت أصعب الظروف.
كبح جماح الأسعار وحماية الأمن الغذائي
شدد باعشن على أن استمرار السعودية في ضخ إمداداتها عبر البحر الأحمر لعب دورا حاسما في كبح جماح أسعار الطاقة، فبالرغم من وصول سعر البرميل إلى 112 دولارا، فإن هذا التحرك الاستراتيجي منع السيناريو الأسوأ المتمثل في قفز الأسعار إلى حاجز 200 دولار.
أوضح باعشن أن هذا الالتزام السعودي لا يقتصر على استقرار أسواق الطاقة فحسب، بل امتد ليشمل تأمين مدخلات الإنتاج الزراعي والغذائي، مؤكدا على الدور المحوري والإيجابي للمملكة داخل منظومة "أوبك" و"أوبك بلس" في التحوط لآثار الحرب وحماية الاقتصاد العالمي من المخاطر ذات الصلة.
الموثوقية العالية والاستجابة التاريخية
من جهته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم العمر، المشرف على شركة "شارة" للدراسات الاستشارية، أن السعودية برهنت على موثوقية استثنائية كمنتج رئيس للطاقة، إذ لم تستغرق "أرامكو" سوى ساعات معدودة من نشوء الأزمة لتحويل شحنات النفط من الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
أوضح العمر أن المملكة استحضرت في هذه اللحظة الحرجة بنية تحتية استراتيجية أُنشئت قبل أربعة عقود لظروف مشابهة، لتتحول اليوم إلى "درع طاقة" للعالم أجمع.
أشار العمر إلى قفزة هائلة في تدفقات النفط عبر خط "شرق-غرب"، حيث ارتفع المتوسط من 770 ألف برميل يوميا في يناير وفبراير الماضيين إلى نحو 2.9 مليون برميل يوميا، وصولا إلى ما فوق 5 ملايين برميل يوميا في أسابيع قليلة، واصفا هذه الزيادة بأنها تكشف عن "مرونة تشغيلية نادرة" لا تملكها سوى دولة تُعرف بأنها "البنك المركزي للنفط العالمي".
درع العالم أمام صدمات الأسعار الكارثية
شدد العمر على أن "الاستعداد الاستراتيجي" للمملكة حافظ على نحو 85 في المائة من صادراتها، ليصبح خط الأنابيب صمام أمان فعليا أمام أشد صدمات العرض، وحذر من أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس الإنتاج العالمي، لا يستمد أهميته من طاقته الاستيعابية فحسب، بل من تأثيره المباشر على التسعير، إذ إن أي نقص في المعروض بنسبة 20 في المائة كان سيقفز بالأسعار إلى مستويات جنونية تتراوح بين 230 و300 دولار للبرميل، وهو ما كان سيحدث صدمة هيكلية كارثية في الاقتصاد العالمي.
أشار العمر إلى أن استمرار الضخ السعودي عبر البحر الأحمر ساهم في "إعادة النور" إلى مشهد كان سيكون مظلما لولا تلك القدرات الاستثنائية، وهو ما أكده رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، حين صرح بأن الاستجابة السعودية السريعة وإعادة توجيه ثلثي الصادرات كانتا السبب الأكبر في منع خروج الوضع عن السيطرة.
تحدي التسعير العادل والدور الريادي إقليميا
حول استمرار التصدير السعودي في كبح الأسعار رغم تجاوزها حاجز الـ 112 دولارا، أوضح العمر ضرورة التفريق بين السعر الراهن والسعر الذي كان سيسود في حال "خلا الميدان" من البديل السعودي، وأكد أن توافر خط الأنابيب حال دون بلوغ مستويات سعرية مدمرة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ليظل الخط صمام أمان عالميا لأزمات الإمداد والتسعير.
على الصعيد الإقليمي، وصف العمر السعودية بأنها "قاطرة الاقتصاد الخليجي"، مستندة إلى ركيزتين: القدرات الإنتاجية والبنية التحتية الجاهزة بعيدا عن بؤر الصراع في المنطقة، والدعم اللوجيستي في استيراد ونقل المنتجات الضرورية عبر المنافذ البحرية والجوية والبرية لكافة دول الجوار.
اختتم العمر حديثه بالتذكير بأنه لولا القدرات اللوجيستية السعودية لتعرضت المنطقة لكارثة حقيقية، خاصة بعد إعلان قطر حالة "القوة القاهرة" على صادرات الغاز وانخفاض إنتاج الكويت والإمارات وانهيار 70 في المائة من صادرات العراق النفطية فضلا عن أزمة الأمن الغذائي الحادة، وأكد أن المملكة وقفت وحدها لتقدم لأشقائها ثلاثة مستويات من الدعم: الممر البديل والاستقرار النسبي للأسعار والدعم اللوجيستي متعدد الأبعاد.







