سعر الذهب بعد الهدنة الامريكية الايرانية الى اين يتجه؟
ارتفعت اسعار الذهب والفضة عقب اعلان هدنة لمدة اسبوعين بين الولايات المتحدة وايران. هذا التحرك عكس بصورة واضحة الضغوط التي تعرضت لها المعادن النفيسة في الاسابيع الماضية.
وصعد الذهب الفوري الى ما فوق 4850 دولارا للاوقية اثناء التداولات. قبل ان يقلص جزءا من مكاسبه لاحقا عند ما دون 4750 دولارا. وقفزت الفضة ايضا الى اكثر من 77 دولارا للاوقية قبل ان تستقر عند 75 دولارا. مستفيدة من تراجع الدولار وانخفاض اسعار النفط الى ما دون 100 دولار للبرميل. وهو ما اعاد تنشيط رهانات خفض اسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
ويعكس هذا التحرك تحولا مهما في طريقة تسعير السوق للمعادن النفيسة. اذ لم تعد الحرب وحدها هي العامل المحدد لمسار الذهب. بل باتت العلاقة اكثر تعقيدا. تمر عبر النفط والتضخم والسياسة النقدية والدولار. لتتجه الانظار الى ما بعد انتهاء هدنة الاسبوعين. وما اذا كانت المعادن ستواصل مسارها الصاعد ام تعود الضغوط للظهور من جديد.
توقعات اسعار الفائدة
يبدو صعود الذهب بعد اعلان الهدنة امرا غير مالوف. اذ يفترض نظريا ان يؤدي تراجع التوترات الجيوسياسية الى اضعاف الطلب على الاصول الامنة. غير ان ما حدث فعليا يعكس قراءة مختلفة للاسواق. اذ لم يفسر التطور من زاوية انحسار الخوف فحسب. بل من زاوية اكثر تاثيرا. وهي ان انخفاض النفط خفف من مخاطر التضخم. واعاد فتح الباب امام احتمالات خفض الفائدة. وهو ما يصب مباشرة في مصلحة الذهب.
وفي هذا السياق. قال محلل "ماريكس" ادوارد مير. في تصريح نقلته رويترز. ان الهدنة "تهدئ الاسواق وتخفف الضغوط". وقد تساعد في التراجع عن جزء من الضغوط التضخمية. بما قد يفتح الباب امام خفض الفائدة الامريكية. وهو ما يعد ايجابيا للذهب.
وتتقاطع هذه القراءة مع تعليق المحلل الاقتصادي احمد عقل في حديث للجزيرة نت. اذ يرى ان العلاقة الفعلية التي تحكم الذهب تمر عبر سلسلة مترابطة تبدا من الطاقة ولا تنتهي عند السياسة النقدية. موضحا ان ارتفاع اسعار النفط يرفع التضخم. وهو ما يدفع البنوك المركزية الى الحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة. ومن ثم سحب السيولة من الاسواق وتقليل جاذبية الذهب.
تحليل اسعار الذهب
ويضيف ان هذا الترابط يفسر سبب تراجع الذهب في ذروة التصعيد. كما يفسر في المقابل عودته الى الارتفاع بعد اعلان الهدنة. اذ ادى انخفاض النفط الى تخفيف الضغوط التضخمية واعادة احياء رهانات خفض الفائدة.
ورغم الارتفاع القوي. لا توحي تحركات الاسواق بانها تسعر نهاية حاسمة للحرب. بل تعكس حالة ارتياح مؤقتة. وفي هذا السياق. نقلت بلومبيرغ عن احمد عسيري. المحلل الاستراتيجي في "بيبرستون". قوله ان تجاوز الذهب مستوى 4800 دولار يمثل "اعادة معايرة للمخاطر" اكثر من كونه "تحولا كاملا في النظام الاقتصادي".
وبحسب تقدير عسيري. فان السوق تسعر الان احتمالا اقل لاضطراب طويل الامد. لكنها لا تزال تحتفظ بحساسية مرتفعة تجاه اي انتكاسة في التهدئة. خصوصا اذا تعلقت بمضيق هرمز او تدفقات الطاقة.
توقعات مستقبلية لسعر الذهب
يرى عقل ان المسار المقبل للذهب والمعادن لن يتحدد وفق بقاء الحرب او انتهائها فقط. بل وفق ما اذا كانت نهاية الهدنة ستقود الى استقرار اوسع في اسواق الطاقة او الى صدمة جديدة تعيد التضخم الى الواجهة.
ويشير الى انه في حال تحولت الهدنة الى تفاهم اوسع او جرى تمديدها بما يخفف القلق على الامدادات. فان الذهب قد يستفيد من تنامي رهانات خفض الفائدة. لا سيما اذا واصل الدولار تراجعه. بحيث يصبح الصعود مدفوعا بتحسن البيئة النقدية اكثر من كونه انعكاسا للخوف الجيوسياسي.
وفي المقابل. يحذر عقل من ان انتهاء الهدنة دون اتفاق او عودة التهديدات لممرات الطاقة قد يعيد السوق الى المعادلة السابقة. فيؤدي ارتفاع النفط الى تغذية التضخم. ومن ثم تقليص احتمالات خفض الفائدة او حتى اعادة طرح سيناريو التشديد النقدي. وهو ما قد يضغط على الذهب رغم تصاعد التوترات.
تحركات اسعار الفضة
يميز عقل بين وظيفتين للذهب في المرحلة الحالية. موضحا ان المعدن لم يعد يتحرك فقط بصفته ملاذا امنا في اوقات الحرب. بل لكونه اداة تحوط ضد الركود وتباطؤ النمو.
ويوضح ان هذا المسار لا يقتصر على الذهب وحده. بل يمتد الى الفضة التي تبدو اكثر عرضة لتقلبات حادة في الفترة المقبلة. نظرا لطبيعتها المزدوجة باعتبارها اصلا تحوطيا ومعدنا صناعيا في ان واحد.
ويشير الى ان استمرار التهدئة واستقرار اسواق الطاقة قد يمنح الفضة زخما اضافيا. ليس فقط عبر تخفيف الضغوط على الفائدة. بل ايضا من خلال تحسن توقعات الطلب الصناعي العالمي.
تحليل فني لاسعار المعادن
تحذر التحليلات من ان عودة التوترات او انزلاق الاقتصاد العالمي نحو تباطؤ اعمق قد يدفع الفضة الى تقلبات اكبر مقارنة بالذهب. اذ لن تعامل حينها بصفتها ملاذا امنا خالصا. بل اصلا اكثر حساسية لدورات النمو الاقتصادي.
تشير المعطيات الحالية الى ان الاسواق لم تبلور بعد قناعة نهائية بشان مسار الذهب والمعادن عقب هدنة الاسبوعين. فالتداولات الراهنة تعكس استجابة سريعة لتراجع النفط والدولار. دون ان تحسم ما اذا كان المعدن الاصفر بصدد استعادة مسار صعودي مستقر. ام انه يتحرك ضمن ارتداد مؤقت يظل عرضة للانعكاس مع اي تحول في المشهدين السياسي او النقدي.
وفي هذا الاطار. نقلت رويترز عن ادوارد مير تحذيره من ان التعافي الحالي قد يبقى محدودا وهشا الى حين اتضاح صورة الاتفاق بين واشنطن وطهران بصورة اكبر.
كما نقلت بلومبيرغ عن عسيري ان الهدنة الحالية توفر "نافذة من الارتياح" لكنها تبقى مشروطة وقابلة للانهيار. وهو ما يعني ان الاسعار ستظل شديدة الحساسية لاي تطور ميداني او سياسي في الايام المقبلة.
من جهته. يتوقع عقل ان تشهد الفترة المقبلة اعادة توزيع تدفقات رؤوس الاموال. مع احتمال توجه جزء اكبر منها نحو الذهب والسندات طويلة الاجل. خاصة اذا تعززت توقعات خفض الفائدة الاميركية.
لكنه في المقابل يستبعد عودة قوية للطلب الحكومي على الذهب في الاجل القريب. معتبرا ان الدول قد تظل اكثر ميلا للاحتفاظ بالسيولة لمواجهة اي صدمات محتملة في اسعار الطاقة او سلاسل الامداد. وهو ما قد يحد من زخم الطلب الرسمي على المعدن.







