الجزائر تتصدر موردي الغاز وسط تهافت أوروبي متزايد
تشهد إمدادات الطاقة اضطرابا كبيرا بسبب تداعيات الحرب وتأثيرها على سوق الغاز العالمية. وجدت الجزائر نفسها في موقع استراتيجي، باعتبارها رائدة في إنتاج الغاز بأفريقيا والعاشرة عالميا، مما جعلها محط أنظار الدول الأوروبية الساعية لتأمين مواردها الطاقوية. ومع هذا التهافت، يثار تساؤل حول قدرة الجزائر على تلبية هذه الطلبات المتزايدة.
في ظل هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى تقييم دقيق لإمكانات الجزائر الإنتاجية وبنيتها التحتية لتحديد ما إذا كانت قادرة على تحقيق التوازن بين تلبية الطلب المحلي المتزايد والوفاء بالتزاماتها الدولية.
أضاف خبراء أن هذا الأمر يتطلب استثمارات كبيرة في تطوير حقول الغاز القائمة واستكشاف حقول جديدة، بالإضافة إلى تحديث البنية التحتية لضمان كفاءة عمليات الإنتاج والنقل.
الجزائر في قلب اهتمام أوروبا
شهدت الجزائر نشاطا دبلوماسيا مكثفا، حيث استقبلت مسؤولين من كبار الشركاء الأوروبيين، من بينهم رئيسة وزراء إيطاليا ووزير خارجية إسبانيا. كان الهدف الرئيسي من هذه الزيارات هو طلب زيادة إمدادات الغاز، في ظل سعي أوروبا لتقليل اعتمادها على مصادر الطاقة الأخرى.
أوضح مسؤولون أن هذه التحركات تأتي في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة، والتي أثرت على إمدادات الطاقة العالمية وزيادة الأسعار.
بين مسؤولون أن الجزائر وإسبانيا تعتزمان تعزيز شراكتهما الاستراتيجية في مجال الطاقة، حيث تعتبر الجزائر مصدرا موثوقا للغاز. تحتل الجزائر موقعا متقدما كمورد رئيسي للغاز إلى إسبانيا منذ ثلاث سنوات، بفضل خط الأنابيب الذي يربط البلدين مباشرة.
تعاون معزز في قطاع الطاقة
ذكرت مصادر أنه جرى الإعلان عن تعاون معزز بين إيطاليا والجزائر، يشمل استكشاف فرص جديدة مثل غاز الصخر الزيتي والتنقيب في عرض البحر. تمتلك إيطاليا أيضا خط أنابيب غاز يربطها مباشرة بالجزائر.
أكدت المصادر أن الاتحاد الأوروبي يسعى جاهدا لتأمين إمدادات الغاز، ويمثل الغاز الجزائري حاليا نسبة كبيرة من إجمالي واردات الاتحاد.
أظهرت البيانات أن الجزائر تملك مرونة في إدارة صادراتها، إلا أن قدراتها الحالية قد لا تكفي لتعويض أي نقص في الإمدادات العالمية. يرجع ذلك جزئيا إلى تنامي الاستهلاك المحلي، خاصة في قطاع إنتاج الكهرباء.
تحديات الإنتاج والاستهلاك المحلي
أشار الصحافي المتخصص في شؤون الطاقة، إحسان قاضي، إلى المشكلات التي تواجه أوروبا بسبب الانقطاع في إمدادات الغاز الطبيعي، موضحا أن هذا الأمر يتكرر للمرة الثانية خلال فترة قصيرة. وأضاف أن الزبائن الأوروبيين يتوجهون إلى شركة سوناطراك الجزائرية لطلب إمدادات إضافية، لكن الجزائر لا تستطيع تقديم سوى مساعدة محدودة بسبب نقص الكميات المتاحة للتصدير.
أوضح قاضي أن حقل حاسي الرمل، وهو أكبر حقل للغاز في أفريقيا، يواجه تحديات في الحفاظ على مستويات الإنتاج، وأن الاستثمارات تهدف إلى منع انخفاض الإنتاج. وأشار إلى أن تطوير المقاطعة الغازية الجديدة في الجنوب الغربي قد يساهم في زيادة الإنتاج.
لفت قاضي إلى أن الاستهلاك المحلي المتزايد يمثل تحديا آخر، حيث يستهلك قطاع الكهرباء كميات كبيرة من الغاز الطبيعي. واقترح أن كبح الاستهلاك يمكن أن يوفر فوائض للتصدير.
خيارات متاحة بقدرات محدودة
أجاب وزير الطاقة ومدير سوناطراك سابقا، عبد المجيد عطار، بأن بعض قدرات التصدير غير مستغلة بالكامل، وأن وحدات تسييل الغاز الطبيعي تعمل بنسبة محدودة من طاقتها الإجمالية، مما يعني إمكانية زيادة الصادرات على المدى القصير.
شدد عطار على وجود قيود واضحة، حيث تصل قدرات التصدير الإجمالية إلى مرحلة التشبع بسبب تنامي الاستهلاك الداخلي ونقص الاستثمارات. وأوضح أن الجزائر تنتج حاليا بمستويات قريبة من أقصى طاقاتها المتاحة.
أكد عطار أن جزءا كبيرا من الغاز المنتج يستهلك محليا، مما يقلل الحجم الموجه للتصدير. وخلص إلى أن زيادة الصادرات تتطلب استثمارات جديدة ورفع مستويات الإنتاج وإدارة أفضل للاستهلاك الداخلي.
استراتيجيات الطاقة المستقبلية
أكد وزير الطاقة الجزائري، محمد عرقاب، أن الجزائر مستمرة في الاستثمار في قطاع الغاز ضمن استراتيجيتها للتنمية المستدامة، وأن التوجه نحو الطاقات البديلة لا يعني الاستغناء عن الغاز الطبيعي.
أضاف عرقاب أن بلاده ضخت استثمارات في استكشاف وإنتاج النفط والغاز، وتطوير البنية التحتية لتعزيز أمن الطاقة والمساهمة في تلبية الطلب العالمي. وأشار إلى أن ضمان استمرارية هذه الاستثمارات يتطلب رؤية واضحة حول تطور الطلب الدولي.
بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، استقبلت الجزائر عددا من المسؤولين الأوروبيين الذين ناقشوا سبل تعويض الإمدادات الروسية من الغاز. وترتبط الجزائر بأوروبا عبر خطي أنابيب رئيسين لنقل الغاز.







