ايران تواجه ضغوطا داخلية وخارجية وتراهن على استنزاف الخصوم
بعد مرور سبعة ايام على الحرب، لم يعد السؤال الاهم هو حجم الخسائر التي تكبدتها ايران، بل السؤال المطروح هو ما اذا كانت واشنطن وتل ابيب قادرتين على تحويل التفوق العسكري الى انهيار سياسي في ايران، فالضربات الاميركية والاسرائيلية استهدفت البنية القيادية والعسكرية في العمق، واصابت اكثر من الفي هدف داخل ايران، في حين تحدثت واشنطن عن تدمير جزء كبير من القدرات البحرية ومنشات الصواريخ، وعن مرحلة مقبلة تركز على تفكيك القدرة الانتاجية الصاروخية على المدى الاطول، ورغم هذا الحجم من النيران، لا توجد حتى الان مؤشرات حاسمة الى تصدع داخلي يفتح طريق السقوط السريع.
واضافت التقارير ان النظام لا يبدو قادرا على قلب الموازين عسكريا في مواجهة خصم متفوق جويا وتكنولوجيا، لكنه لا يتصرف ايضا بوصفه قوة مهزومة تستعد لرفع الراية البيضاء، بل ان التقديرات الغربية والعربية التي نقلت خلال اليومين الماضيين تشير الى ان بنية الحكم ما زالت متماسكة نسبيا، وان القبضة الامنية داخل البلاد لم تنهار، حتى مع اتساع الضربات على طهران ومؤسسات الدولة واجهزة الامن الداخلي، لذلك يبدو ان طهران لا تراهن على النصر، بل على منع خصومها من ترجمة تفوقهم العسكري الى حسم سياسي سريع.
واظهرت التحليلات ان هذه هي مفارقة المشهد الايراني الراهن.
تحديات داخلية وخارجية تواجه ايران
في هذا السياق، تكتسب ازمة الخلافة وزنا استثنائيا، فالتأخر في اعلان خليفة للمرشد علي خامنئي لا يعكس فقط اضطرابا اداريا، بل خوفا حقيقيا من ان يتحول الاسم المعلن الى هدف مباشر، وقد زاد الرئيس الاميركي دونالد ترمب هذا المشهد تعقيدا حين قال انه يريد ان يكون له دور في اختيار القيادة المقبلة، عادا مجتبى خامنئي خيارا غير مقبول، ومؤكدا ان واشنطن ستعمل على الدفع نحو قيادة تجلب الانسجام والسلام حتى لا تضطر الى خوض حرب مشابهة بعد سنوات.
بينما اوضحت مصادر مطلعة ان هذا الكلام لا يوضح هدف الحرب بقدر ما يفتح الباب امام تصور اميركي يتجاوز مجرد اضعاف القدرات العسكرية الى التاثير في شكل النظام الذي قد يخرج من المعركة.
هنا تبرز اهمية ما قاله الباحث في معهد الشرق الاوسط بواشنطن، اليكس فاتنكا، حين لفت الى ان فصلا جديدا بدا بالفعل، لان خامنئي قتل، ولان جيل 1979 الذي صاغ الجمهورية الاسلامية لم يعد موجودا ليتولى المرحلة التالية بالطريقة نفسها، وفي راي فاتنكا، فان السؤال الحاسم لم يعد فقط من سيحكم، بل هل سيختار الناجون من النظام مضاعفة العداء لاميركا، ام يقررون عقد صفقة مع ترمب والتعايش مع الوجود الاميركي في الشرق الاوسط، وهذه ملاحظة جوهرية، لانها تنقل النقاش من ثنائية البقاء او السقوط الى طبيعة النظام الذي قد ينجو: نسخة اشد تشددا، ام سلطة تضطر الى تعديل سلوكها لحماية بقائها.
الرهان الايراني على استنزاف الخصوم
في الميدان، تبدو المعادلة الايرانية اوضح من اي وقت مضى، رهان على الاستنزاف لا على الحسم، فصحيفة وول ستريت جورنال نقلت ان التهديد الصاروخي الايراني قد تراجع، وان طهران باتت تطلق عددا اقل من الصواريخ نحو عدد اكبر من الاهداف، في حين اشارت تقارير اخرى الى ان قدراتها الباليستية تضررت بشدة، وان قدرتها على اطلاق رشقات كثيفة كما في الايام الاولى انخفضت بوضوح.
لكن في المقابل، استمرت ايران في توسيع ساحة الاشتباك عبر المسيرات والهجمات منخفضة التكلفة، بما يضغط على دول المنطقة وطرق الطاقة والشحن، هذا ما لخصه الباحث في معهد نيو اميركا، باراك بارفي، في حديثه، حين قال ان الايرانيين ياملون في ان يربحوا بالوقت، اي انهم يريدون انهاك الاميركيين على اكثر من جبهة: من محدودية الذخائر الاعتراضية، الى تعب الراي العام، وصولا الى اسواق طاقة مضغوطة واقتصادات مثقلة، ووفق هذا المنطق، لا تحتاج طهران الى نصر عسكري مباشر، يكفيها ان تجعل الحرب اطول واغلى واكثر تشعبا حتى تدفع خصومها الى البحث عن مخرج.
وذكرت مصادر ان حديث الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، فرزين نديمي، يضيف بعدا اكثر دقة، فهو يقول ان النظام الايراني يتعرض لضغط هائل من القوة الجوية الاميركية والاسرائيلية، ويعلم ان الهدف النهائي للحملة هو اسقاطه، لكنه يواصل القتال، لانه ما زال يعتقد ان بوسعه النجاة.
تحليل استراتيجي للموقف الايراني
ومن هنا، يرى نديمي انه يمكن فهم لماذا بقيت الهجمات الايرانية على البنية الحيوية للطاقة، ومحطات تحلية المياه، وحتى اهداف القيادة السياسية في المنطقة، محدودة نسبيا، فطهران لا تريد، حتى الان، ان تحرق كل اوراقها دفعة واحدة، ما دامت ترى ان لديها فرصة للصمود وفرض معادلة استنزاف على خصومها.
ويضيف نديمي ان صورة هذا الضبط الايراني كان يمكن ان تبدو مختلفة لو ان عددا كبيرا من الصواريخ الباليستية التي اطلقت على دول المنطقة لم يعترض ووصل الى اهدافه، اي ان محدودية الاثر لا تعود فقط الى قرار سياسي ايراني، بل ايضا الى فاعلية الدفاعات الجوية المقابلة.
كما يشير الى ان الهجمات الصاروخية على اسرائيل تراجعت بوضوح بفعل القصف الاميركي الاسرائيلي المتواصل على الاهداف المرتبطة بالصواريخ، لكن ذلك لا يعني انتهاء الخطر، فايران لا تزال، في تقديره، قادرة على احداث نتائج مدمرة بواسطة صواريخها الاحدث، كما ستظل قادرة على اطلاق اعداد كبيرة من المسيرات يوميا في المستقبل المنظور.
الحسابات الكردية وتأثيرها المحتمل
في المقابل، لا تبدو حسابات واشنطن وتل ابيب محصورة في الضرب من الجو، فقد افادت رويترز بوجود نقاشات بين الولايات المتحدة واطراف كردية بشان عملية محتملة داخل ايران، بما يوحي بان هناك تفكيرا في اضافة عنصر بري او شبه بري الى الحملة، سواء عبر معارضين محليين او عبر عمليات محدودة.
واكدت مصادر ان نديمي نفسه قدر ان الحرب ستستمر اسبوعين على الاقل، وربما اكثر، مع ضرورة مراقبة احتمال ظهور مكون بري جديد، لكن هذا المسار، ان حصل، سيكون شديد الحساسية، لان اللعب على ورقة الاقليات قد يضغط على النظام، لكنه قد يعزز ايضا نزعة وطنية مضادة لدى شرائح ترفض الحكم الديني، لكنها ترفض كذلك تفكك الدولة.
اما خارجيا فتبدو اللوحة شبه مقفلة امام طهران، فروسيا حسب تقرير لـ واشنطن بوست تقدم معلومات استخباراتية تساعد ايران على تعقب اصول اميركية في المنطقة، لكنها لا تملك القدرة او الرغبة في تغيير ميزان الحرب مباشرة، وفي الوقت نفسه، اظهرت تقارير رويترز ان بعض الشبكات الموالية لايران في العراق بقيت مترددة في الانخراط الكامل، مما يعكس تراجع قدرة طهران على تعبئة محورها الاقليمي كما في السابق، وهكذا تبدو ايران اليوم معزولة استراتيجيا: لديها ما يكفي لازعاج خصومها، لكن ليس ما يكفي لقلب المعادلة.
وفي الختام، لا يبدو ان تغيير النظام بات وشيكا بالمعنى الحاسم، كما لا تبدو ايران قد خرجت سالمة، الارجح اننا دخلنا فعلا اليوم التالي، لكن من دون اعلان رسمي: يوم تراجعت فيه هيبة النظام وقدرته التقليدية على الردع، من دون ان ينهار بعد، ويوم صار فيه سؤال الخلافة وشكل العلاقة المقبلة مع واشنطن جزءا من المعركة نفسها، واذا كان رهان طهران الان هو الصمود حتى انهاك الخصم، فان رهان خصومها هو ان يفضي هذا الصمود نفسه الى تفكك داخلي او الى تسوية تنتج نظاما اخر، او النظام نفسه، ولكن بسلوك مختلف، وبين الرهانين ستتحدد صورة ايران المقبلة.







