الخليج وحرب ايران اختبار قاس لموازنات الطاقة والجغرافيا السياسية

{title}
راصد الإخباري -

تدفع التطورات الميدانية الاخيرة في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى اقتصادات الخليج والعالم العربي الى اختبار قاس يتجاوز تقلبات الاسعار المعتادة. اذ تضرب الهجمات منشات نفط وغاز حيوية وتربك حركة الشحن عبر مضيق هرمز. فتنتقل الصدمة سريعا من الحقول والموانئ الى الموازنات العامة. ومن شاشات التداول الى غرف اتخاذ القرار الاستثماري.

في 2 مارس اعلنت قطر ايقاف انتاج الغاز الطبيعي المسال في مجمع راس لفان بعد هجوم ايراني بطائرات مسيرة. وفي اجراء احترازي مماثل اغلقت شركة ارامكو السعودية مصفاة راس تنورة التي تنتج 550 الف برميل يوميا. كما تراجعت او توقفت انتاجات في اقليم كردستان العراق. وقررت السلطات الاسرائيلية تعليق عمليات حقل "ليفياثان".

في الوقت نفسه قفزت اسعار النفط بنحو 13% الى قرابة 82 دولارا للبرميل. وارتفعت اسعار الغاز الاوروبية بنحو 46%. مع تزايد الاضطراب في حركة الشحن عبر هرمز.

اختلال معادلة السعر والحجم

تحول هذه التطورات صدمة الطاقة الى صدمة مالية واستثمارية شاملة. اذ تضغط على ايرادات الحكومات. وتدفعها الى اعادة ترتيب الانفاق. وتؤجل مشاريع كبرى. وتعيد تسعير المخاطر في المنطقة باكملها.

يرفع السوق الاسعار عندما تتصاعد المخاطر. لكنه يخصم الايرادات عندما تتعطل الكميات. وتجمع الصدمة الحالية بين الامرين معا. فتدفع السعر صعودا بفعل علاوة المخاطر. ثم تخصم من العائد الفعلي بسبب توقف الانتاج او تعطل الشحن.

حسب تقرير لوكالة رويترز فان توقف راس لفان في قطر. واغلاق راس تنورة في السعودية. وتعليق عمليات في اقليم كردستان العراق وحقل ليفياثان الاسرائيلي يقلص الكميات المتاحة للتصدير في لحظة ارتفعت فيها الاسعار بقوة.

ضغوط العجز واعادة هندسة الانفاق العام

تزداد حساسية هذه المعادلة عندما تتعرض الممرات البحرية للاهتزاز. اذ يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خمس استهلاك السوائل النفطية عالميا. ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. واساسا من قطر. بصادرات بلغت 9.3 مليارات قدم مكعبة يوميا في عام 2024 مثلا. وفق ادارة معلومات الطاقة الاميركية.

تعني هذه الارقام ان اي تعطل في هرمز لا يرفع السعر فقط. بل يفرض كلفة اضافية على كل شحنة عبر التامين واعادة التوجيه وزمن الانتظار. فتتسع الفجوة بين السعر المعلن والعائد المتحقق. وتصبح الايرادات الفعلية رهينة ليس فقط للسعر. بل للكميات المتدفقة وقدرة الممرات على العمل دون انقطاع.

يرى الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي في حديث للجزيرة نت ان العالم يقف على اعتاب ازمة طاقة عالمية لم يشهدها منذ عقود. اذا استمر تعطل الامدادات عبر مضيق هرمز.

تحولات الانفاق الراسمالي تحت ضغط العجز

اوضح ان المسالة لا تتعلق فقط بحجم الانتاج. بل بنسبة الصادرات العالمية التي تمر عبر المضيق. اذ يعبر منه نحو ربع صادرات الغاز العالمية وقرابة ثلث صادرات النفط. اضافة الى ما بين 20% و21% من الانتاج العالمي الفعلي. اي ما يقارب 21 مليون برميل يوميا من النفط والمشتقات.

تكشف الارقام ان الصدمة الحالية تضرب جوهر الموازنات الخليجية لا هوامشها. فبحسب موازنة قطر لعام 2026. كانت الدوحة تتوقع ايرادات بنحو 199 مليار ريال قطري (حوالي 55 مليار دولار). مقابل نفقات تبلغ 220.8 مليار ريال (نحو 60 مليار دولار). بعجز مخطط يقارب 21.8 مليار ريال (حوالي 6 مليارات دولار).

تعتمد هذه التقديرات ضمنيا على تشغيل طبيعي ومستقر لانتاج الغاز الطبيعي المسال. وعندما يتعطل الانتاج او تتاخر الشحنات. فان انخفاض الايرادات بنسبة 5% الى 10% قد يخفض الدخل الفعلي الى نطاق 49 الى 52 مليار دولار تقريبا. مما يوسع العجز الى حدود 8 مليارات الى 10 مليارات دولار. اي بزيادة قد تقترب من الضعف مقارنة بالعجز الذي كان متوقعا قبل الازمة.

اعادة تسعير المخاطر وتباطو تدفقات الاستثمار

اما السعودية فقد بنت موازنتها على ايرادات تقارب 1.14 تريليون ريال سعودي (حوالي 304 مليارات دولار). مقابل نفقات بنحو 1.31 تريليون ريال (نحو 350 مليار دولار). مع عجز متوقع عند 165 مليار ريال (نحو 44 مليار دولار).

بما ان النفط يمثل نحو 75% من الايرادات الحكومية. فان تراجع العائدات النفطية الفعلية بنسبة تقارب 5% بسبب تعطل الشحن او ارتفاع كلفة التامين يمكن ان يخفض الايرادات بحوالي 15 مليار دولار. مما يرفع العجز الى نطاق 60 مليار دولار او اكثر. اي زيادة تتجاوز 35% عن التقدير الاصلي.

لا تختلف بقية دول المجلس من حيث الاتجاه وان اختلف الحجم. فقد بلغ الانفاق الحكومي الخليجي المجمع في 2025–2026 نحو 542 مليار دولار. مع عجز متوقع قبل الازمة بحوالي 54 مليار دولار.

اعادة تموضع المحافظ السيادية خارجيا

عندما تتراجع الايرادات النفطية المشتركة بنسبة 5% الى 10% نتيجة تعطل الكميات او ارتفاع تكاليف الشحن. فان الفجوة قد تتسع بعشرات المليارات الاضافية.

يحذر الشوبكي من ان اقتصادات الخليج. رغم جهود التنويع. ستتاثر بشدة اذا حرمت من تصدير نفطها فترة طويلة. اذ سيؤدي ذلك الى اتساع العجز المالي. خاصة في دول مثل السعودية والكويت. وقد ينعكس مباشرة على الاستثمارات ومشروعات البنية التحتية.

يضيف ان العراق سيكون من اكثر الدول تاثرا لاعتماده على النفط في نحو 95% من ايراداته. وعدم امتلاكه بدائل تصدير كافية خارج المسار البحري.

تصاعد فاتورة الواردات وضغوط التضخم

تعني هذه الحسابات ان الصدمة لا ترفع الاسعار فحسب. بل تعيد رسم حدود العجز. وتضغط على وتيرة تنفيذ المشاريع الكبرى. وتدفع الحكومات الى موازنة دقيقة بين الاستقرار المالي واستمرار خطط التحول الاقتصادي.

في حديث للجزيرة نت يقول الباحث في الاقتصاد السياسي وتحليل السياسات معاذ العامودي ان المشاريع العملاقة في الخليج تعتمد في جوهرها على استقرار تدفقات الايرادات. وانخفاض كلفة التمويل. وثقة الشركاء المحليين والدوليين. لذلك تتعرض هذه المشاريع لاختبار قاس كلما تصاعدت المخاطر الجيوسياسية او اهتزت تدفقات الطاقة.

يضيف ان الحكومات تميل في مثل هذه الظروف الى اعادة ترتيب اولوياتها الراسمالية. فتمنح الاسبقية للمشاريع المرتبطة بالامن والمرونة التشغيلية. مثل حماية الموانئ ومنشات الطاقة وبناء سعات تخزين اضافية. بينما ترجئ بعض المشاريع ذات العائد الطويل الاجل او الكلفة الراسمالية المرتفعة التي يمكن تاجيلها دون تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي.

تعكس تحركات البورصات وتدفقات راس المال سرعة اعادة التسعير. فقد هبط مؤشر قطر بنحو 4.3% في 2 مارس. وهو اكبر هبوط يومي منذ مارس 2020 بحسب "رويترز". واغلقت الامارات سوقي ابوظبي ودبي يومين وسط تصاعد التوتر.

تقول رويترز كذلك ان مؤسسات مالية دولية نصحت بتاجيل السفر الى المنطقة. وان محادثات صفقات واستثمارات عبر الحدود توقفت او تاجلت. مما يعكس تباطوا مباشرا في نشاط الدمج والاستحواذ والاستثمار المصرفي.

لا يتوقف الاثر عند حدود الاسهم. اذ يؤثر اضطراب اليات التسعير نفسها في كلفة التحوط والتمويل. فقد افادت رويترز بان "اس اند بي غلوبال بلاتس" علقت استقبال عروض وطلبات لعدة عمليات تقييم اسعار خامات ومنتجات وغاز طبيعي مسال مرتبطة بالشرق الاوسط بسبب اضطرابات الشحن في هرمز. وهو ما يشير الى خلل في الية اكتشاف السعر.
وعندما يختل اكتشاف السعر. ترتفع الضبابية. وتتسع الفروقات. ويصعب على الشركات والحكومات تثبيت توقعاتها.

تعيد الصناديق السيادية الخليجية ضبط مزيج اصولها عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية وتتسع فجوة عدم اليقين. فتنتقل من منطق تعظيم العائد طويل الاجل الى منطق ادارة السيولة والتحوط. وتدفع هذه البيئة الى زيادة الوزن النسبي للاصول السائلة وشبه السائلة. وتقليص الانكشاف على الاستثمارات طويلة الافق او ذات الالتزامات الراسمالية الممتدة.

في سياق صدمة تستهدف منشات الطاقة وتربك تدفقات التصدير. فان اي تراجع في الكميات القابلة للبيع او تاخر في التحصيلات الخارجية يقلص الفوائض المتاحة للتحويل الى محافظ خارجية.

يشير الشوبكي الى ان صناديق الثروة السيادية في السعودية وقطر والامارات قد توفر متنفسا مؤقتا عبر دعم الموازنات وتمويل النشاط المحلي. الا ان هذا الدور يظل محدود الفاعلية اذا طال امد الازمة او استمر تعطل الصادرات لفترة طويلة. مما يضع ضغوطا اضافية على قدرة تلك الصناديق على الحفاظ على وتيرة استثماراتها الخارجية.

يدفع المستوردون العرب للطاقة ثمن الصدمة من الجهة المعاكسة. اذ ترتفع فاتورة الواردات. وتتسع الضغوط على العملات والاحتياطيات.

تدفع اسعار الطاقة الاعلى تكاليف النقل والكهرباء والانتاج صعودا. فتتسع الضغوط التضخمية.

يوضح الشوبكي ان ارتفاع اسعار الطاقة يفرض ضغوطا تضخمية مباشرة على الولايات المتحدة واوروبا واسيا. ولا سيما الصين التي تستورد الجزء الاكبر من احتياجاتها النفطية من الخليج. اذ تتجه غالبية الصادرات المارة عبر مضيق هرمز الى الاسواق الاسيوية. مما يجعل اي تعطل ممتد عاملا مضاعفا في موجة تضخم عالمي جديدة.

يؤكد الشوبكي ان العامل الحاسم في تحديد حجم التاثير الاقتصادي ليس مستوى التصعيد فحسب. بل مدة استمرار الازمة. اذ تمتلك بعض الدول مخزونات استراتيجية تكفي ما بين 10 الى 20 يوما فقط. وبعد استنزافها سيواجه العالم خيارين: اما انقطاعات فعلية في الطاقة او ارتفاعات حادة جدا في الاسعار.

يتابع الباحث في الاقتصاد السياسي وتحليل السياسات معاذ العامودي في حديثه مع الجزيرة نت. مشيرا الى ان التطورات الراهنة ترسم ثلاثة مسارات اقتصادية محتملة للاشهر المقبلة. يتحدد اتجاهها بمدة تعطل الانتاج والشحن عبر مضيق هرمز وبقدرة الاسواق على امتصاص الصدمة دون انزلاق الى اضطراب ممتد.

يضيف ان سيناريو الاحتواء السريع يفترض استعادة انسياب الملاحة في غضون اسابيع. وانخفاض علاوات التامين وكلفة النقل تدريجيا. مما يعيد اسعار النفط والغاز الى نطاق اكثر استقرارا. ويحافظ على عجز قريب من التقديرات الاصلية. ويبقي المشاريع الكبرى قيد التنفيذ مع تاجيلات محدودة. كما تتحسن شروط التمويل وتنخفض فروقات العوائد على السندات السيادية.

اما سيناريو الاستنزاف المتقطع فيقوم على تكرار الهجمات او التهديدات بصورة دورية. بما يؤدي الى تعطل الشحنات على فترات وتثبيت علاوة مخاطر مرتفعة في الاسعار. ورفع تكاليف الشحن والتامين بشكل شبه دائم. مما يقلص الايرادات الفعلية رغم ارتفاع الاسعار الاسمية. ويوسع العجز في الدول ذات الهوامش الاضعف. ويدفع الى تاجيل مشاريع او اعادة تصميمها. مع تباطؤ واضح في تدفقات الاستثمار.

في سيناريو ازمة الممرات الممتدة. يرى العامودي ان ترسخ اضطراب مضيق هرمز او اتساع نطاقه سيبقي الاسعار مرتفعة لفترة اطول. ويعمق الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة. بينما تواجه دول الخليج معادلة معقدة بين ارتفاع السعر وتراجع الكميات القابلة للتصدير. وهو ما يفرض اعادة هيكلة اعمق للموازنات. وزيادة الاقتراض او السحب من الاحتياطيات. وتقديم اولويات الامن والبنية التحتية الحيوية على خطط التوسع والاستثمار الخارجي.