الحكومة اليمنية تواجه تحديات الفساد وتعهدات الاصلاح

{title}
راصد الإخباري -

تواجه الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني تحديا كبيرا في تنفيذ الاصلاحات المالية والادارية التي تعهدت بها. تهدف هذه الاصلاحات الى استعادة الثقة المحلية والدولية في ظل تنامي الفساد. كشف تقرير دولي ان اليمن تصنف ضمن اسوأ خمس دول في العالم في مكافحة الفساد. يرى خبراء ان التحدي يتجاوز مجرد الارادة السياسية المعلنة ويمتد ليشمل بنية النظام الاقتصادي والسياسي برمته.

اظهرت التقارير ان اليمن احتلت مرتبة متدنية في مكافحة الفساد في القطاع العام. اذ جاءت في المرتبة 177 من بين 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. يعكس هذا التصنيف انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة التي تعاني من الانقسام بسبب الحرب. اضافة الى ذلك، يشير الى تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

تتعرض الحكومة اليمنية لضغوط كبيرة من الداخل والخارج لاحراز تقدم ملموس في مكافحة الفساد. ياتي ذلك خصوصا مع ربط الدعم الدولي بتنفيذ اصلاحات مالية ومؤسسية. تتعامل الحكومة حاليا مع بيئة سياسية وامنية منقسمة تجعل اي اصلاح عميق امرا صعبا بسبب توازنات القوى المعقدة.

تعهدات حكومية بمكافحة الفساد

تعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديد، شائع الزنداني، في وقت سابق من هذا الشهر، بمنح الاولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الاداء المؤسسي. كما اكد على تحسين ظروف المعيشة والخدمات المقدمة للمواطنين وتسريع الاجراءات ورفع مستويات الاداء.

يؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، انه لم يعد من الممكن اختصار معركة الفساد في اجراءات جزئية او حملات اعلامية. بل يرى ضرورة اعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية. ويشدد على تعزيز الشفافية والمساءلة في ادارة المال العام.

اوضح النجار ان الحكومة تعمل على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. تركز الاولويات على اصلاح الادارات المالية العامة وضبط الانفاق وتطوير بعض اليات التحصيل. وقد انعكس ذلك في العديد من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

تحديات تواجه الإصلاح

لا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والادارية في اليمن تعاني من الضعف وعدم الاستقلالية التامة. هذا يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعال امرا صعبا في ظل بيئة سيادية ضعيفة.

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد اكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب المستمرة منذ اكثر من عقد. بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة ادارية الى مكون بنيوي في اقتصاد الحرب. مع استمرار هذا الواقع، تبقى اي معالجات نقدية او مالية محدودة الاثر ما لم تمس جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

يقدم الاكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لاسباب تراجع اليمن في المؤشر. يؤكد ان الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافا عن النظام، بل كان جزءا من اليته التشغيلية.

الفساد واقتصاد الحرب

وفقا للتحليل الذي طرحه شمسان، مثل الفساد اداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية. وذلك من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات الى ادوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية. بهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خيارا واقعيا داخل النظام لان محاربته كانت ستعني المساس باسسه.

اشار شمسان الى ان التحول الاخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة الى الحماية بالقوة والسلاح. اصبح جزءا من اقتصاد الحرب ومصدرا رئيسيا للريع والتمويل، وتمركز في قطاعات سيادية حاسمة مثل الجيش والامن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الانسانية.

شهدت البلاد خلال سنوات الحرب انشاء قوات عسكرية وامنية وهمية وازدواجية في مرتبات المنتمين الى هذين القطاعين. اضافة الى فساد في عقود الامداد وتهريب الوقود والسلاح. بينما ابرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة الى جانب ايرادات خارج الموازنة وتحويل الموارد الى شبكات نفوذ مسلحة.

تداعيات الفساد على الاقتصاد

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسببا في انهيار القدرة الشرائية وتدهور مستوى المعيشة بسبب سوء ادارة سعر الصرف ونهب الايرادات وشبكات التحويل غير القانونية. كما استشرى الفساد في عقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الانسانية الى مورد ريعي وسوق سوداء.

يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي ان ترتيب اليمن المتاخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئا، بل يمثل تاكيدا رقميا على انهيار مؤسسات الدولة.

يلفت المساجدي الى ان المؤشر يقيس الرشوة ويعكس ضعف الحوكمة وتسييس الموارد العامة وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

مظاهر الفساد وتأثيره

يعدد المساجدي ابرز مظاهر الفساد خلال السنوات الاخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي انتجت تضاربا في القرارات واضعافا لاستقلال السياسة النقدية. اضافة الى التوسع في الانفاق غير المنتج وغياب الانضباط في ادارة الايرادات، خصوصا في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، مما شوه بيئة المنافسة واقصى القطاع الخاص الحقيقي.

يبين المساجدي ان هذه الممارسات لم تبق في اطار الانحراف الاخلاقي، بل تحولت الى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة وارتفاع تكلفة الاستيراد وتراجع الاستثمار المحلي والاجنبي وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

بينما ينبه النجار الى ان برامج التعاون مع البرنامج السعودي لاعادة اعمار اليمن لم تقتصر على تقديم الدعم المالي، بل تضمنت شروطا لمعايير الحوكمة واليات الانفاق وتحسين الخدمات. يتوقع ان تشهد الفترة المقبلة تركيزا اكبر على عدد من الاجراءات العملية، كتفعيل الحساب الحكومي الموحد واقرار الموازنة العامة وتوسيع نطاق الرقمنة.

يشدد شمسان على ان الدولة التي لا تحتكر العنف والايراد والقرار لا تستطيع فعليا محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، يصبح الفساد عقلانيا ومربحا ومحميا بالقوة. ما يجعل الخطاب الاصلاحي غير كاف ما لم يكسر هذا المنطق البنيوي. حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءا من اقتصاد الحرب.

لا يستبعد المساجدي امكانية التحسن، لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية وتعزيز استقلال البنك المركزي وتفعيل اجهزة الرقابة ورقمنة الايرادات والجمارك والضرائب وشفافية كاملة على الموارد السيادية وربط اي دعم خارجي باصلاحات قابلة للقياس.