شموع مراكش قصة عطور مغربية تصل للعالمية

{title}
راصد الإخباري -

في ورشة لتحضير الشموع المعطرة في مراكش تقف السيدة شفيقة أمام قوالب طينية تصب فيها الشمع المذاب بهدوء. وتتنقل زميلاتها بين القوالب لتفقد كل تفصيل صغير. تمتزج روائح الصويا الطبيعي مع عبق زهر البرتقال في أرجاء المكان. وتضفي الحركات العفوية للعاملات شعورا بالدفء العائلي والتركيز على العمل.

قالت شفيقة وهي تلقي نظرة على شمعة مكتملة "أشعر بفخر كبير حين أنظر إلى هذه الجوهرة التي ستسافر لتضيء مساحات بعيدة حاملة معها جزءا من عملنا إلى عواصم عالمية". السيدة الأربعينية تعمل ضمن فريق متكامل في الورشة التي يقودها الشاب عمر بن عبد الرازق بعلامته "كوتي بوجي" نحو العالمية.

أضافت أن الفخر الذي تراه في قوالب الطين هو ذاته الذي دفع والدة عمر السيدة سعيدة القادري لبداية مشروع صغير قبل أكثر من 20 عاما. كانت تبحث عن روح جديدة للشمعة المغربية التي تزين ليالي رمضان والأعياد.

بداية مشروع الشموع المعطرة

يتذكر عمر كيف بدأت أمه بابتكار نماذج حصرية عام 2003. وأوضح أن التحول الجوهري حدث بعد عامين حين اقترح أن تلبس الشموع حللا جديدة من الصناعة التقليدية لإبراز مهارات الحرفيين.

بين عمر انه اطلق علامته التجارية عام 2013 بهوية بصرية احترافية وموقع إلكتروني يضع المنتج المغربي في واجهة الأسواق الدولية. وفي العام التالي عرض منتجات ورشة مراكش في باريس أمام كبار الحرفيين العالميين.

يقال إن الصدفة خير من ألف ميعاد وأن الفكرة المبدعة تولد فكرة جديدة. إذ وجد عمر ضالته في التجديد والابتكار في أحد أزقة مدينة الصويرة عام 2017.

تعاون مع حرفيات مغربيات

أفاد عمر بأنه التقى بالسيدة راضية نساجة الرافيا ليبدأ فصلا جديدا من الحكاية وتلبس شموع مراكش حللا جديدة ترضي الأذواق. وأكد أن العمل مع راضية شكل انطلاقة لتعاون طويل ومثمر.

بين عمر أن أكثر من 30 امرأة تنسج هذه الحلل الفريدة للشموع داخل تعاونية متخصصة. وأشار إلى أن الهدف لم يكن مجرد إنتاج بل الاعتراف بالعمل اليدوي المتقن لدعم النساء المغربيات نحو الاستقلالية المادية.

أكد عمر أن الشموع المعطرة قد ترتبط بالمناسبات السعيدة وقد تصبح ضمن العادات اليومية. لذا يطلق تشكيلتين في العام لتغطية احتياجات كل الفصول لتصبح الشمعة سفيرا ثقافيا دائما.

الحفاظ على التراث المغربي

قالت راضية إن التعاون أثمر 9 سنوات من الإنتاج المنتظم ومنحهم التمكين الاقتصادي والقوة لابتكار أشكال جديدة أعطت للشموع هوية لا تقلد.

لم يتوقف طموح عمر في الابتكار عند حدود الرافيا الصويرية بل امتد ليشمل خارطة الحرف المغربية بتنوعها المدهش. فكر في قوالب جديدة من الطين الأخضر الشهير بمنطقة تمكروت والسيراميك وتغليف الشموع بنسيج خيوط الصابرا الرفيعة.

أوضح عمر أنه يتعاون في كل حرفة مع حرفيين ماهرين وجدوا ضالتهم في عمل مستمر لم ينقطع حتى في ذروة أزمة كورونا. مما جعل الورشة ملاذا آمنا للحفاظ على هذه المهن من الاندثار. كما خصص ركنا لصانع متخصص في تطويع النحاس بأشكال جديدة.

فلسفة الانتاج المتقن

يراهن عمر على فلسفة الإنتاج البطيء المتقن. بينما يشرح الصانع نور الدين أنهم يمنحون القطعة وقتها الكامل لتنضج والتركيز منصب على العمل اليدوي البطيء الذي لا يمكن للآلة محاكاته.

بينما قال المشرف على الورشة مولاي هشام الإدريسي إنهم يعملون في جو عائلي بوتيرة مريحة تزداد قليلا مع اقتراب موعد التصدير الأسبوعي. واضاف ان هذا الصبر الحرفي هو ما يبرر القيمة السوقية المرتفعة للمنتج.

أكد عمر أن القطعة الواحدة قد تستغرق عدة أيام من العمل لتخرج في حلتها النهائية. وقد تباع بعض المجموعات الفاخرة المطعمة بالنحاس أو الطين الرفيع بحوالي 4000 درهم.

تحديات مالية ولوجستية

أكد عمر أن نجاح "كوتي بوجي" لم يأتِ بمحض الصدفة بل نتيجة للإصرار على تقديم منتج فريد ذي جودة يحترم الأصالة والاستدامة. ومن أجل تحسين المنتج عقد شراكة مع فريق عمل متخصص في مدينة غراس لابتكار عطور حصرية.

أوضح عمر أن التوجه نحو الجودة اقترن بوعي بيئي حيث يفضل المواد الطبيعية معتمدا على شمع الصويا والفتائل القطنية لإنتاج شموع صديقة للبيئة لا تنبعث منها أدخنة سوداء. وأكد أن هذه المقاربة البيئية المستدامة كانت بمثابة تأشيرة دخول حقيقية للأسواق العالمية.

اختتم عمر حديثه قائلا ان العلامة حققت في العام الماضي 40 مليون درهم يذهب 75% منها نحو الأسواق الدولية مع طموح بالوصول إلى عتبة 100 مليون درهم خلال سنوات قليلة.

قصة نجاح مغربية

تغرب شمس مراكش وتخبو أضواء الورشة لكن فتائل شموع "كوتي بوجي" تظل مشتعلة حاملة عبق المدينة وروح الحرفيين إلى ما وراء الحدود.

قد لا يعرف المشتري أسماء شفيقة أو راضية أو نور الدين لكن عند لمس خشونة الرافيا واستنشاق نفحات البرتقال والنعناع سيدرك أن كل شمعة تحمل قصة مغربية تحكى بالحب والإتقان.

كل قطعة هي سفير صامت يربط بين الورشة الصغيرة في قلب مراكش وعواصم بعيدة ويحكي عن التراث والابتكار وصبر الصانع المغربي وإبداعه. هنا تتجسد الحرفة في أجمل صورها حيث روح العطور لا تنطفئ والإبداع يشق طريقه إلى العالم.