صراع الاستقلالية النقدية معركة سياسية تواجه البنوك المركزية
يواجه صناع السياسة النقدية ضغوطا متزايدة من القوى السياسية، مما أدخلهم في معركة للدفاع عن استقلاليتهم. غير أن هذه الجهود تكشف عن مفارقة، فالدفاع عن الاستقلالية يحمي مصداقيتهم في مكافحة التضخم، لكنه يعرضهم في الوقت ذاته للظهور كلاعبين سياسيين. وهذا يجعل الحياد خيارا صعبا.
يجد القادة السياسيون أنفسهم في مواجهة مع منافسين يسعون لفرض سيطرتهم على البنوك المركزية وتغيير طرق إدارتها وتحديد من يشغل المناصب القيادية فيها. ويظهر هذا الصراع تحديات كبيرة تواجه استقلالية البنوك المركزية.
في الولايات المتحدة، يعني التمسك بالاستقلالية الثبات على الخطط القائمة، وقد تحمل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول هجمات متكررة من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الذي اتهمه بإضعاف النمو عبر إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة للغاية.
المركزي الأوروبي بين الاستقالة المبكرة والضغوط السياسية
أما في أوروبا، فتتخذ المقاومة شكلا أكثر تناقضا، من خلال الاستقالة المبكرة لمنع القادة المعادين لأوروبا من التأثير على إدارة البنك المركزي. وذكرت رويترز أن محافظ بنك فرنسا فرانسوا فيليروي دي غالو سيغادر منصبه قبل الانتخابات المتوقعة التي يهيمن عليها اليمين المتطرف، وأكد فيليروي أن القرار شخصي، إلا أن مصدرا أشار إلى أن جزءا منه جاء للحفاظ على استمرارية العمل في البنك.
تدرس رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد خطوة مماثلة، موضحة أن خطتها الأساسية هي إتمام ولايتها، لكنها لم تستبعد إمكانية المغادرة المبكرة. ويعكس هذا الوضع الضغوط المتزايدة على البنوك المركزية في أوروبا.
في اليابان، كرس بنك اليابان التزامه برفع أسعار الفائدة، حتى بعد أن قامت رئيسة الوزراء سناي تاكايشي بتعيين اقتصاديين مترددين في مجلس إدارة البنك، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لإيقاف الزيادات.
تحديات السيطرة على التضخم ومخاطر الدين السيادي
مع وصول الدين السيادي إلى مستويات قياسية، يخشى المصرفيون المركزيون أن يُضحّى بالسياسة النقدية السليمة على مذبح الاقتراض الرخيص مع مطالبة الحكومات بخفض أسعار الفائدة. وأظهرت التجارب في تركيا والأرجنتين ما يمكن أن يحدث عندما تُجبر الحكومات السياسة النقدية على الخضوع، حيث ترتفع معدلات التضخم ويفـر المستثمرون وتتبخر الثقة.
ومع ذلك، فإن مواجهة الضغوط تجعل المصرفيين المركزيين عرضة للظهور كسياسيين بأنفسهم. وبين كارستن بريزسكي رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في بنك آي إن جي أن المصرفيين المركزيين ينجذبون إلى صراع بين المؤسسة واليساريين الشعبويين، ويجب عليهم أن يفعلوا كل ما في وسعهم للبقاء خارجها.
لا ينبغي أن يكون الرد مفاجئاً، فقد شبّه رئيس البنك المركزي الأوروبي المؤسس ويم دويسينبيرغ المصرف المركزي الجيد بالكريمة المخفوقة، قائلا كلما خفقته أكثر أصبح أكثر صلابة.
الاستقلالية والمساءلة العامة في مواجهة التحديات السياسية
وأظهرت استقالته المبكرة في عام 2003، كجزء من صفقة بين ألمانيا وفرنسا لتسليم القيادة إلى جان كلود تريشيه، أن المناصب قد تكون سياسية، لكن المهمة يجب ألا تصبح كذلك. وتفترض نماذج الحوكمة المعاصرة للبنوك المركزية أن المسؤولين سيعملون باستقلالية بمجرد توليهم المنصب، بغض النظر عمن عينهم.
لكن العقد الماضي طمس هذا الخط الفاصل، ففي اليابان قام رئيس الوزراء السابق شينزو آبي بتعيين هاروهيكو كورودا في بنك اليابان لدعم أجندة التحفيز الخاصة به. كما أدت عمليات شراء السندات الضخمة في الاقتصادات المتقدمة، التي شجعتها الحكومات خلال الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19، إلى قرب البنوك المركزية من السياسة المالية، وهو سابقة يستشهد بها اليوم اليمين المتطرف في فرنسا.
واهتزت ثقة الجمهور بعد موجة التضخم التي أعقبت كوفيد. كما أن المحاولات المحدودة للتدخل في سياسة المناخ، خاصة في البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، غذت اتهامات بتجاوز المهمة الموكلة لهم. وقال جاكوب دي هان أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة خرونينغن إن البنوك المركزية تحركت بشكل متزايد خارج نطاق ولايتها، ما يثير تساؤلات حول استقلاليتها نفسها.
الدين الحكومي وتقلبات الأسواق تحدد مصير البنوك المركزية
البنوك المركزية محمية غالباً من السياسة اليومية عبر أحكام قانونية مثل المعاهدات الأوروبية التي تحكم البنك المركزي الأوروبي، لكنها ليست محصنة من التوقعات الديمقراطية، فهي ترد أمام الكونغرس في الولايات المتحدة، والبرلمان الأوروبي في منطقة اليورو، وأمام تصورات الجمهور.
وهنا قد تكشف جهودهم الدفاعية عن نقطة ضعف. وصرح ناثان شيتس كبير الاقتصاديين العالميين في مجموعة سيتي بأنه لا يرى أي خرق للإجراءات هنا، لكن الأمر يدفع إلى التأمل فيما إذا كنا نحقق التوازن الصحيح بين الاستقلالية والمساءلة.
ويمكن اعتبار استقالة فيليروي وربما لاغارد محاولة لإعطاء الرئيس إيمانويل ماكرون القول الفصل في التعيينات قبل أن يتحول الناخبون ربما إلى التجمع الوطني. ويحذر الاقتصاديون من أن هذه الخطوة قد تأتي بنتائج عكسية، وقال ماركو فالي كبير الاقتصاديين الأوروبيين في يوني كريديت إن التحرك قد يقوض إلى حد ما استقلالية البنك المركزي نفسه.
قد يكون الدين الحكومي الساحة الأكثر شراسة، إذ يجب على الحكومة الأميركية إعادة تمويل نحو ثلث ديونها البالغة 36 تريليون دولار هذا العام، وسيكون لكيفية إدارة الاحتياطي الفيدرالي تحت قيادة كيفن وورش المعين من ترمب لأسعار الفائدة وميزانيته البالغة 6.6 تريليون دولار أثر حاسم.
تواجه أوروبا زيادة في الإنفاق الدفاعي فوق الدين المرتفع بالفعل في إيطاليا وفرنسا، وقد دعا زعيم اليمين الفرنسي جوردان بارديللا إلى فتح نقاشات مع البنك المركزي الأوروبي بشأن التمويل. وأوضح إنريكو كولومباتو أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة تورينو أنه من وجهة نظر سياسية، أفضل طريقة للتمويل هي الاعتماد على آلة طباعة البنك المركزي.
لكن الأسواق قد تحسم الكلمة الأخيرة، فالبنوك المركزية يمكنها كبح عوائد السندات لكنها لا تستطيع منع هروب المستثمرين، ما يضعف العملات ويرفع التضخم. وتُظهر التجربة اليابانية أن المخاوف من تقلبات السوق قد تكون أفضل حليف للبنوك المركزية، حيث قال ماكوتو ساكوراي عضو مجلس بنك اليابان السابق إن علم الهبوط المستمر للين الإدارة درساً حول مدى قسوة الأسواق إذا حاولت مواجهة رفع أسعار الفائدة من البنك المركزي الياباني، وساعدت القوى السوقية البنك على التصدي للضغوط السياسية.







