لبنان بين قلق أمريكي وقرار حزب الله بشأن توسعة الحرب
أبدت القوى السياسية قلقها إزاء طلب الخارجية الأمريكية من موظفيها الحكوميين غير الأساسيين في سفارتها ببيروت مغادرة لبنان فوراً. وأشارت إلى ما يمكن أن يترتب على هذه الخطوة الاحترازية من انعكاسات سلبية على الوضع الداخلي في حال تعثرت المفاوضات الأمريكية الإيرانية. وأضافت أن لبنان محكوم بضبط إيقاعه السياسي وفقاً لما ستؤول إليه الجولة الجديدة من المفاوضات التي ستعقد في جنيف بوساطة من سلطنة عمان.
أوضحت مصادر سياسية أن الترقب الذي يضع لبنان على لائحة الانتظار يعني حكماً أن مصير الانتخابات النيابية وحصرية السلاح بيد الدولة معلقان على مسار المفاوضات. وبينت المصادر ما إذا كانت المفاوضات ستتوقف ويستعاض عنها بضربات عسكرية يوجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى النظام في إيران. وقالت المصادر إن هذا يتطلب من حزب الله أن يتخذ قراراً شجاعاً بالموافقة بلا تردد على حصرية السلاح بيد الدولة لتفويت الفرصة على إسرائيل بتوسعة الحرب، خاصة أن التدبير الاحترازي للخارجية الأمريكية يدعو للريبة وما إذا كان مقدمة لتوسعتها بغطاء أمريكي.
واستباقاً لاحتمال تعثر المفاوضات، فإن لبنان الرسمي، بدءاً برئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، لم ينقطع عن التواصل مع المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة لتحييد البلد عن الحرب وعدم تحويله مجدداً ساحة لصراع الآخرين على أرضه. وأكدت المصادر أن ذلك بالتلازم مع تكثيف اتصالاته بحزب الله طالباً منه عدم التدخل إلى جانب إيران في حال اندلعت المواجهة الأمريكية الإيرانية، مع إصراره على إلزام إسرائيل بتطبيق وقف الأعمال العدائية وانسحابها من جنوب لبنان إفساحاً في المجال أمام بسط سلطة الدولة بالكامل على أراضيها كافة.
تواصل لبناني ودور حزب الله
في هذا السياق قالت المصادر السياسية المواكبة للاتصالات التي يتولاها عون بالتكافل والتضامن مع رئيس الحكومة نواف سلام إن تحركه باتجاه حزب الله لم يأت من فراغ وإنما بعد تهديد أمينه العام نعيم قاسم بالتدخل بذريعة عدم وقوفه على الحياد وإن كان احتفظ لنفسه بتحديد طبيعته.
ولفتت المصادر إلى أنها تولي أهمية فوق العادة للتواصل المفتوح بين قيادة حزب الله ورئيس المجلس النيابي نبيه بري من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل. وأكدت المصادر أن ما يصارح به قاسم بري لا يبوح به للآخرين كما يجب لا سيما أن غالبية اللبنانيين ومعهم المجتمع الدولي بانقطاع تواصله مع حزب الله يقرون بدوره إلى جانب عون وسلام لإخراج البلد من التأزم الذي يعانيه محلياً وإقليمياً واستمرار احتلال إسرائيل قسماً من أراضيه.
وبينت المصادر أنه لا خيار أمام الحزب سوى التضامن مع إيران لارتباطه عقائديا وإيمانياً بولاية الفقيه، لكن لا بد من الانتظار للوقوف على ما يقصده بتضامنه.
سيناريوهات التضامن مع إيران
لكن السؤال حسب المصادر هو كيف سيتضامن قاسم في حال اشتعلت المواجهة؟ وهل ينزلق لاتخاذ خطوة غير مدروسة أسوة بإسناده غزة مع ارتفاع منسوب الضغوط الدولية عليه لتسليم سلاحه وتحذيره من التدخل الذي سيقابل برد إسرائيلي يحظى بعدم ممانعة أمريكية في ظل الاختلال في ميزان القوى؟
رغم أن مسؤولين في الحزب لا يتوقفون عن ترديد مقولة استعادته قدراته العسكرية فيما لم يتمكن من توفير الحماية لأبرز قياداته وكوادره العسكرية والأمنية الذين اغتالتهم إسرائيل وما زالت تلاحقهم وإن كان التركيز حالياً يستهدف البقاعين الأوسط والشمالي.
ومع أن قيادة حزب الله تصغي إلى النصائح المحلية والغربية التي أسديت إليها مباشرة أو بالواسطة بعدم التدخل إسناداً لإيران وضرورة تجاوبها مع الدعوات لتسليم سلاحها أساساً لانخراطها في مشروع الدولة فهي في المقابل كما تقول المصادر تحرص على عدم الإجابة عليها بوضوح بمواقف عملية.
تحذيرات إسرائيلية وموقف حزب الله
رغم أنها تدرك جيداً أن التحذيرات الإسرائيلية ليست من باب التهويل أو أنها تأتي في سياق الحرب النفسية التي تمارس على الحزب وبيئته بعد أن لجأت في الأسبوع الماضي إلى توسعة اعتداءاتها لتشمل البقاعين الأوسط والشمالي لتمرير رسالة نارية للحزب بأن الغارات التي شنتها ما هي إلا عينة على الرد الذي تعده في حال قرر التدخل عسكرياً إسناداً لإيران.
وكشفت المصادر عن أن طبيعة تدخل الحزب في حال اندلعت المواجهة لم تحسم بعد ولا تزال موضع نقاش وتقييم داخلي على قاعدة أنه إن كان ليس في مقدور قاسم إلا أن يقول ما قاله في معرض تأكيد تضامنه مع إيران فكيف سيترجم هذا التضامن؟
وهل من جدوى لتدخل الحزب عسكرياً ما دام تدخله لم يؤد إلى تعديل ميزان القوى ولا لتبدل في طبيعة المواجهة وأن مجرد إسناده يعني من وجهة نظرنا أنه سيرتب على البلد المزيد من الخسائر البشرية والمادية وربما يفتح الباب أمام تأليب بيئته عليه فيما لن يجد من يجاريه في موقفه محلياً أو دولياً بل سيرفع من منسوب الضغوط عليه ويجد نفسه محشوراً في الزاوية بدلاً من أن يدقق حساباته ويتخذ القرار الذي يبطل ذرائع إسرائيل بالتدخل ويوفر الحماية للبلد؟
تساؤلات حول سلاح حزب الله
وسألت المصادر الحزب ألم يتخذ عبرة من إسناده لغزة؟ وما الفائدة من إصراره على تمسكه بسلاحه في موقف لا يصرف سياسياً ويبقى تحت سقف رفع معنويات بيئته التي لا يغيب عن بالها السؤال عن الأسباب الكامنة وراء عدم تصديه للاعتداءات الإسرائيلية رغم الوعود التي يطلقها بالرد عليها؟
وهل يتذرع بالتزامه بوقف إطلاق النار مع أن من الأفضل له تخليه عنه ووقوفه خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي؟
فتمسك حزب الله بسلاحه والنظر إليه على أنه مصدر حضوره في المعادلة السياسية رغم اعتراف خصومه بدوره وعدم التنكر له لن يسمح بسيطرته مجدداً على القرار السياسي للحكومة وإعادة البلد إلى ما كان عليه قبل إسناده لغزة وبالتالي لن يتمكن من أن يعيد خلط الأوراق محلياً ولن يبدل من الضغط الدولي والعربي عليه لتسليم سلاحه لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة تنفيذاً للقرار 1701 والتزاماً بما نص عليه اتفاق الطائف في هذا الخصوص وبالتالي لن يغير من تراجع نفوذ محور الممانعة في الإقليم خاصة أن مخاوف اللبنانيين من لجوء إسرائيل إلى توسعتها الحرب لن يبددها إصرار حزب الله على عدم إجراء مراجعة نقدية لخطابه السياسي بدءاً بتعاطيه بمسؤولية حيال ما أصاب البلد بتفرده بإسناده لغزة وهذا يتطلب منه التواضع والكف عن المكابرة والانكفاء للداخل ووقوفه خلف الدولة ما دام تمسكه بمقاومته سيزيد من حجم التكلفة البشرية والمادية على البلد ولن يحد منها تلويح نائب رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي بأن لا بديل عن خيار المقاومة وتهديده سابقاً ببتر اليد التي تمتد إلى سلاحه.







