غموض يلف التجارة العالمية بعد قرارات ترمب والمحكمة العليا

{title}
راصد الإخباري -

دخلت التجارة العالمية مرحلة من عدم اليقين بعد حكم المحكمة العليا الاميركية الذي ابطل هيكلية الرسوم الجمركية. قال مسؤولون ان هذا الحكم اثار ردود فعل بدات بتلويح اوروبي بتجميد المسار التشريعي مع واشنطن. واضافوا ان التهديدات الانتقامية من الرئيس دونالد ترمب زادت المشهد تعقيدا. فبينما اعلن البرلمان الاوروبي تجميد اتفاق التجارة الرئيسي بانتظار وضوح الرؤية شن ترمب هجوما على القضاء الاميركي.

بين ترمب ان الحكم منحه انيابا اقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي تنهب اميركا وفي مقدمتها الصين. واوضحت الصين انها ستقوم بتقييم شامل للمشهد محذرة من ان الحمائية طريق مسدود. كشفت مصادر ان المحكمة العليا الاميركية اعادت خلط اوراق التجارة العالمية بعد ان ابطلت باغلبية جزءا كبيرا من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استنادا الى قانون عام 1977.

بينت المصادر ان القرار لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الادارة بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الاميركية. واكدت المصادر ان القرار يحمل تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن واسواق المال العالمية. واظهرت تصريحات ترمب بعد ساعات من الحكم انه سارع الى الاعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة قبل ان يرفعها الى 15 في المائة مستخدما اساسا قانونيا مختلفا على ان تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوما مع استثناءات محدودة.

تداعيات حكم المحكمة العليا على التجارة

شن ترمب هجوما لاذعا على المحكمة العليا الاميركية واصفا قرارها بانه غبي ومثير للانقسام دوليا. قال ترمب في تصريحات عبر منصته للتواصل الاجتماعي تروث سوشيال ان الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام نظام التراخيص بوصفه اداة للقيام بامور وصفها بالفظيعة ضد الدول التي اتهمها بنهب الولايات المتحدة لعقود. سخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة قائلا بموجب القرار يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها الجميع يعلم ان الهدف من الترخيص هو الرسوم المحكمة لم تشرح ذلك لكني اعرف الاجابة.

اكد ترمب ان المحكمة عبر تثبيتها انواعا اخرى كثيرة من التعريفات الجمركية اعطته الضوء الاخضر لاستخدامها بطريقة اكثر عدوانية وازعاجا وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. لم يكتف بالجانب التجاري بل هاجم المحكمة استباقا لقرارات محتملة بشان حق المواطنة بالولادة متهما اياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول اخرى تجني ثروات من هذا القانون. اختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بالخجل من انفسهم باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم متهما اياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الامة الاميركية.

اوضح ترمب اصراره على المضي قدما في مهامه تحت شعار لنعد اميركا عظيمة مجددا. في هذا الوقت اتخذ التصعيد في بروكسل بعدا مؤسسيا حاسما حيث اعلن نواب البرلمان الاوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل اليه العام الماضي. قال رئيس لجنة التجارة بيرند لانغه مدعوما من اكبر الكتل البرلمانية ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتا واصفا مستوى التخبط في السياسة التجارية الاميركية بانه غير جاد.

مخاوف أوروبية من دوامة جمركية جديدة

جاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق الى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم الملغاة الى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة. كانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الاخضر لازالة الرسوم على السلع الصناعية الاميركية ضمن الاتفاق. غير ان نوابا من كتل سياسية مختلفة ابدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي الى حين اتضاح تداعيات الحكم الاميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الاوروبي.

دعا رئيس لجنة التجارة بيرند لانغه الى تعليق العمل التشريعي مؤقتا وهو ما حظي بدعم حزب الشعب الاوروبي اكبر الكتل البرلمانية الى جانب مجموعات اخرى. اكدت النائبة عن حزب الشعب الاوروبي زيليانا زوفكو ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الاوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشان الشروط الجديدة وتحديد الخيار الافضل لمواصلة المسار. شددت النائبة عن حزب الخضر انا كافازيني على ان التصويت لا يمكن ان يمضي قدما قبل توافر رؤية واضحة.

قالت النائبة عن مجموعة رينيو الليبرالية كارين كارلسرو ان البرلمان لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشان تاثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية. اضافت كارلسرو ان الولايات المتحدة يجب ان ترتب سياستها التجارية فهذا المستوى من الفوضى غير جاد.

ردود فعل عالمية على قرارات التجارة

في المانيا اكبر اقتصاد اوروبي عبرت الاوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية عادّة ان تقلب القرارات الجمركية الاميركية يضع الشركات امام تحديات في التخطيط طويل الامد خصوصا في قطاعات السيارات والالات والصناعات الكيماوية. دعت برلين الى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الالمانية في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الاميركية بوصفها شريكا استراتيجيا رئيسيا.

اما سويسرا ورغم بقائها خارج الاتحاد الاوروبي فانها تتابع التطورات عن كثب نظرا لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالاسواق الاميركية والاوروبية. فيما اعلنت الحكومة السويسرية انها لا تزال تعتزم التوسط في ابرام اتفاقية ملزمة قانونا من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة التي تهدف الى وضع اللمسات الاخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل اليها في اواخر عام 2025 والتي خفضت الرسوم الجمركية الاميركية على سويسرا من 39 في المائة الى 15 في المائة.

في باريس وروما ولاهاي تكررت الدعوات الى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها وسط تخوف من ان يؤدي تعدد المسارات القانونية الاميركية الى اطالة امد عدم اليقين. يجمع الموقف الاوروبي في مجمله على ان الشراكة عبر الاطلسي تظل ركيزة اساسية للاقتصاد العالمي غير ان استدامتها تتطلب التزاما متبادلا بالاتفاقات وتجنب الاجراءات الاحادية التي قد تعيد اشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى الى ترسيخ تعاف هش.

الصين تقيّم تأثير القرارات الأمريكية

في بكين اعلنت وزارة التجارة انها تجري تقييما شاملا للحكم داعية واشنطن الى الغاء جميع الاجراءات الجمركية الاحادية. اكدت ان الرسوم الاحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الاميركي ولا تخدم مصالح اي طرف محذرة من ان الحمائية طريق مسدود. كما ابدت قلقها من احتمال لجوء الادارة الاميركية الى وسائل بديلة مثل التحقيقات التجارية القطاعية للابقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

اللافت ان الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند التي كانت تواجه رسوما بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل ان تنخفض الى 25 في المائة ثم الى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية وجدت نفسها بعد قرار المحكمة امام معدل 10 في المائة قبل ان يستقر عند 15 في المائة وهو مستوى يظل ادنى من السيناريوهات السابقة. اما الصين فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة الى 24 في المائة مع الغاء بعض الرسوم الاضافية التي كانت قد فرضت تحت مبررات امنية وصحية ما يمنح صادراتها متنفسا مهما في السوق الاميركية.

في المقابل برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الاكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة اذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة قبل ان يؤدي النظام الجديد الى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. تشير تقديرات الى ان الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار مع تاثر عشرات الآلاف من الشركات وتسعى لندن حاليا الى انتزاع استثناء او معاملة خاصة في ظل ادراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

محاولات لتهدئة المخاوف بشأن التجارة

اما اوروبا واستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التاثير فقد واجهت دول مثل ايطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة بينما لوح الاتحاد الاوروبي باعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة اذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الاميركية. في سيول حذر وزير التجارة الكوري الجنوبي من ان استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب داعيا الى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الاسواق.

من الجانب الاميركي حاولت الادارة طمانة الشركاء. فقد اكد الممثل التجاري جيمسون غرير ان الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع او انخفاض الرسوم بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره شدد وزير الخزانة سكوت بيسنت على ان عائدات الرسوم ستظل مستقرة وان الحكومة ستلتزم باحكام القضاء فيما يخص اي استردادات محتملة للرسوم التي جمعت سابقا وهو ملف قد يفتح الباب امام مطالبات ضخمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

عمليا اعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الاميركية وقف تحصيل الرسوم التي ابطلت وتعطيل الرموز المرتبطة بها ما يعكس امتثالا فوريا للحكم. غير ان الاسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الادارة على الالتفاف عبر ادوات قانونية اخرى مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة او الامن القومي وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب. الاسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر فقد تراجعت العقود الاجلة لمؤشري ستاندرد اند بورز 500 وداو جونز بنسب طفيفة وانخفضت اسعار النفط بينما ضعف الدولار امام الين واليورو.

في المقابل صعد مؤشر هانغ سينغ في هونغ كونغ بنسبة لافتة في اشارة الى تفاؤل نسبي في بعض الاسواق الاسيوية باعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية. سياسيا ياتي هذا السجال قبل اسابيع من زيارة مرتقبة لترمب الى الصين يفترض ان تشكل محطة مفصلية في ادارة العلاقة بين اكبر اقتصادين في العالم. رغم تاكيدات واشنطن ان اللقاء ليس موجها للتصعيد فان التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل اشباه الموصلات يضفي على المشهد قدرا اضافيا من التوتر.

في المحصلة لم ينه حكم المحكمة العليا الحرب التجارية بل نقلها الى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. بينما يسعى بعض الشركاء الى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم يواجه اخرون تكلفة اعادة التموضع في نظام جمركي اكثر توحيدا واقل تفضيلا.