عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء

{title}
راصد الإخباري -

دخل النظام التجاري العالمي مرحلة من الغليان القانوني والسياسي اثر قرار المحكمة العليا الاميركية الذي قيد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب الجمركية. مما اطلق شرارة ثورة صامتة في عواصم القرار. هذا القرار الذي وصف بانه نزع سلاح استراتيجي لواشنطن دفع الدول الكبرى فورا الى اعادة تقييم جدوى صفقات التريليونات التي وقعتها تحت ضغط الترهيب اذ بدا العالم يستشعر لاول مرة ان عقيدة المقايضة الجمركية التي انتهجها البيت الابيض باتت تفتقر الى السند القانوني القوي.

لقد استند ترمب في حربه الشاملة على التجارة العالمية الى قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977. والمعروف اختصارا بـ«IEEPA». وهو تشريع يمنح الرئيس سلطات واسعة في حالات الطوارئ الوطنية. لكن ترمب ذهب بعيدا حين فسر هذا القانون بطريقة تمنحه الحق في فرض رسوم جمركية عقابية مرتفعة جدا في اي وقت ولاي سبب مستخدما اياه كـبازوكا تجارية لمعاقبة الدول في ملفات لا علاقة لها بالتجارة مثل الضغط على اوروبا في قضية غرينلاند او تهديد المكسيك وكندا بسبب ملفات الهجرة.

وبحكم المحكمة الاخير الذي جاء باغلبية 6 قضاة مقابل 3 فقدت هذه الاداة قانونيتها. حيث رات المحكمة ان فرض الرسوم سلطة حصرية للكونغرس. مما حرم الرئيس من عنصر المفاجاة والردع الذي كان يرهب به الاسواق.

خطة بديلة للرسوم الجمركية

ومع ذلك لم يستسلم البيت الابيض لهذا الانكسار القضائي ففي غضون ساعات قليلة اعلن ترمب عن تفعيل الخطة البديلة عبر اللجوء الى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974. هذه المادة تتيح للرئيس فرض رسوم لمواجهة العجز التجاري الخطير. لكنها تظل اداة مقصوصة الاجنحة مقارنة بالقانون السابق فهي تضع سقفا للرسوم لا يتجاوز 15 في المائة وتحدد مدتها بـ 150 يوما فقط ما لم يتدخل الكونغرس لتمديدها. هذا الالتفاف السريع الذي بدا برسم 10 في المائة قبل ان يرفعه ترمب الى الحد الاقصى 15 في المائة في اقل من يوم يعكس اصرار الادارة على ابقاء الشركاء التجاريين في حالة تاهب دائم رغم ان الاجراءات الجديدة تتطلب تحقيقات فيدرالية مطولة بموجب المادتين 301 و232 مما يسلب ترمب قدرته على الضرب المفاجئ ويمنح الدول الاخرى نفسا تفاوضيا لم يكن متاحا من قبل.

كما يملك ترمب سلاح المادة 232 الذي لا يقهر قضائيا حيث تتيح فرض رسوم باسم الامن القومي مثل رسوم الـ50 في المائة على الصلب والسيارات. وهي اداة دائمة وقاسية يصعب الطعن فيها. وكذلك سلاح المادة 301 وهي سيف العقاب للممارسات غير العادلة والتي يخطط ترمب لاستخدامها عبر تحقيقات نشطة لشرعنة الرسوم التي ابطلتها المحكمة مما يبقي بكين تحت ضغط دائم.

تكمن المعضلة الكبرى الان في مصير الاتفاقيات الاطارية الضخمة التي وقعتها واشنطن مع نحو 20 دولة وقوة اقتصادية وهي الصفقات التي كانت قائمة في جوهرها على معادلة الاستثمار مقابل الحماية.

مصير الصفقات الكبرى بعد قرار المحكمة

وتتصدر اليابان وكوريا الجنوبية قائمة الدول التي سارعت لارضاء واشنطن بصفقات تريليونية لتامين استقرار قطاعاتها الصناعية الكبرى. اليابان التي تعد السيارات وقطع غيارها العمود الفقري لصادراتها نجحت في خفض الرسوم من 27.5 في المائة الى 15 في المائة مقابل تعهد تاريخي بضخ 550 مليار دولار في الاقتصاد الاميركي.

وقد وصف احد المسؤولين البارزين في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان الرسوم الجديدة بانها فوضى حقيقية. بحسب ما نقلت وكالة بلومبرغ. عن ايتسونوري اونوديرا الذي يشغل حاليا منصب رئيس مجموعة بحثية عن الضرائب تابعة للحزب.

واستبعد اونوديرا امكانية ان تسعى اليابان من اجل اعادة التفاوض على الاتفاقية التجارية. مشيرا الى ان جوهر المفاوضات التجارية التي جرت العام الماضي كان خفض الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات. حيث انها تعد اكبر مصدر للصادرات اليابانية ومصدرا رئيسيا للوظائف والاستثمارات.

ردود فعل دولية متباينة

ورغم وصف الوضع الحالي بـ«الفوضى الحقيقية» فان الحكومة اليابانية تجد نفسها في موقف حرج فهي لا تزال تخطط للمضي قدما في استثماراتها. بينما تكتنف الضبابية جولة التمويل القادمة المقرر الاعلان عنها خلال زيارة رئيسة الوزراء لواشنطن في مارس اذار المقبل.

اما كوريا الجنوبية التي التزمت بـ350 مليار دولار كاستثمارات مقابل سقف رسوم 15 في المائة على الصلب والالمنيوم والسيارات فتعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر. فبينما هدد ترمب موخرا برفع الرسوم الى 25 في المائة متهما سيول بالمماطلة في المصادقة البرلمانية على الاتفاق. جاء قرار المحكمة العليا ليمنح المفاوض الكوري ورقة قوة غير متوقعة. حيث يرى المحللون في سيول ان الحكم يبطل فعليا قانونية التهديد بالرسوم المتبادلة مما يضعف من قدرة ترمب على ممارسة المزيد من الضغوط دون غطاء قانوني صلب.

اما اندونيسيا وماليزيا وكمبوديا والتي وافقت على رسوم بنسبة 19 في المائة مقابل مشتريات ضخمة من السلع الاميركية فانها تجد نفسها في وضع غير موات مقارنة بمنافسيها الاسيويين.

الهند تؤجل زيارة واشنطن

وفي خضم هذه التطورات قررت الهند ارجاء خططها لارسال وفد تجاري الى واشنطن هذا الاسبوع. وفق ما افاد مصدر في وزارة التجارة الهندية. ويعد هذا القرار من اوائل ردود الفعل الملموسة بين الدول الاسيوية على هذا القرار.

وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظرا لحساسية الموضوع اتخذ قرار تاجيل الزيارة بعد مناقشات بين مسؤولين من البلدين. ولم يحدد موعد جديد للزيارة.

وكان من المقرر ان يغادر الوفد يوم الاحد لاجراء محادثات لوضع اللمسات الاخيرة على اتفاقية تجارية موقتة. بعد ان اتفق البلدان على اطار عمل لخفض واشنطن الرسوم الجمركية العقابية بنسبة 25 في المائة على بعض الصادرات الهندية المرتبطة بمشتريات نيودلهي من النفط الروسي.

اندونيسيا مستعدة للتكيف مع التغيرات

وفي الاطار نفسه اكد الرئيس الاندونيسي برابوو سوبيانتو استعداد بلاده للتكيف مع اي تغييرات في السياسات التجارية الاميركية. مشددا على ان جاكرتا تحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة وتبقى مستعدة للتعامل مع اي مستجدات.

ونقلت وكالة انباء انتارا الاندونيسية عن سوبيانتو قوله للصحافيين في واشنطن العاصمة ان قرار المحكمة العليا الاخير قضى بعدم احقية السلطة التنفيذية في فرض رسوم جمركية عالمية واسعة النطاق استنادا الى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية. وابدى تفاؤله قائلا اننا على استعداد لاي احتمال ونحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة.

لم تكن القارة العجوز بمنأى عن هذا الزلزال ففي بروكسل انتقل التوتر من اروقة المكاتب الى منصات القرار التشريعي. واعلن بيرند لانغ رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الاوروبي يوم الاحد اعتزامه التقدم باقتراح رسمي لتعليق كافة الاعمال التشريعية المتعلقة بالاتفاق التجاري الضخم مع واشنطن.

تعليق الاتفاقيات التجارية مع واشنطن

هذا التحرك جاء ردا مباشرا على ما وصفه بـ«الفوضى الجمركية العارمة» التي احدثتها ادارة ترمب. معتبرا ان الاساس القانوني الذي بنيت عليه الاتفاقيات قد انهار تماما.

وكان من المقرر ان يتم التصويت على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الاوروبي واميركا هذا الاسبوع. وكان الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة اتفقا في ملعب غولف تيرنبيري التابع لترمب في اسكوتلندا بيوليو تموز الماضي. على اتفاقية لتجنب حرب تجارية. بموجبها يلغي الاتحاد الاوروبي رسوم الاستيراد على العديد من المنتجات الاميركية مقابل فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 15 في المائة على معظم صادرات السلع الاوروبية.

ورغم اصرار وزارة الخزانة الاميركية على ان هذه الصفقات ستظل سارية فان المحللين يرون ان الدول قد تستعيد بعضا من نفوذها التساومي. مستغلة الضعف القانوني لموقف ترمب الجديد. وان كانت تخشى في الوقت ذاته من انتقام رئاسي غير متوقع عبر ادوات اخرى.