المخدرات ليست وحدها المتهم… ما الذي يدفع الشباب إلى الإدمان؟
فراغ بلا عمل، قيم تتآكل، وجريمة تتمدّد
راصد الإخباري -
بقلم: نجوى صالح الشناق / ماجستير صحافة وإعلام
كاتبة وباحثة بالشؤون السياسية والاجتماعية
البطالة، الفراغ، التربية المفقودة، القوانين غير الرادعة، وانعدام القيم الدينية… كل هذه العوامل تتقاطع اليوم لتشكل قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد مستقبل الشباب الأردني. الشباب هم قلب المجتمع ومستقبله، لكنهم يواجهون واقعًا معقدًا: فرص العمل محدودة، الدعم الأسري والاجتماعي ضعيف، والبيئة المحيطة لا توفر أدوات المواجهة، ما يجعلهم أكثر عرضة للانزلاق نحو الانحراف.
البداية غالبًا تكون مع البطالة والفراغ النفسي. الشاب الذي ينهي دراسته الجامعية أو الثانوية ويجد نفسه بلا وظيفة ولا فرصة لتطبيق مهاراته، لا يخسر دخله فقط، بل يشعر بفقدان القيمة والكرامة، ما يولد إحباطًا مستمرًا ويترك لديه فراغًا نفسيًا هائلًا. هذا الفراغ يشكل أرضًا خصبة للبحث عن مهرب سريع، سواء عبر المخدرات، الانخراط في أعمال غير قانونية، أو الانغماس في ثقافة المال السريع والمظاهر الزائفة.
هنا يظهر دور الأسرة والمجتمع، إذ أن ضعف التربية أو غياب الحوار والقيم الأخلاقية يزيد هشاشة الشباب. الأسرة التي لا توفر احتواءً نفسيًا، والمدرسة أو الجامعة التي لا تربط التعليم بسوق العمل، تترك الشباب بلا بوصلة، ويصبح الفراغ النفسي محركًا رئيسيًا للسلوكيات الخاطئة والانحراف. كل عامل هنا يربط مباشرة بالآخر: البطالة تولد الفراغ، الفراغ يترك الشباب بدون توجيه، وضعف التربية يزيد احتمالات الانزلاق.
ثم تأتي القوانين غير الرادعة لتكمل الصورة. العقاب وحده لا يمنع الانحراف، خاصة في بيئة يغلب عليها الفراغ والضغط الاجتماعي. انعدام الرقابة الفعلية، وضعف ردع المخالفات، يجعل الشباب يعتقدون أن المخاطرة تستحق العائد السريع، ما يعمق دائرة الانحراف ويجعل المشكلات تتسلسل بلا توقف.
وفي قلب هذه المعادلة، يظهر هوس المال والثراء السريع وانعدام القيم الدينية كعامل مضاعف. الشباب الذين يظنون أن النجاح مرتبط بالمظاهر والمكاسب الفورية، يجدون في المخدرات أو الأعمال غير القانونية طريقًا مغريًا للحصول على ما يريدون بسرعة، ويصبح الانحدار نتيجة طبيعية لتراكم هذه العوامل.
الحل لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، بل يجب أن يكون شاملاً ومتسلسلًا كما هي الأزمة نفسها. توفير فرص عمل حقيقية، برامج تدريب مهني متوافقة مع سوق العمل، دعم نفسي واجتماعي، إعادة غرس القيم الأخلاقية والدينية، وجعل الجامعات والمجتمع المدني شركاء فعليين، كلها خطوات مترابطة تعالج الأسباب قبل النتائج، وتكسر حلقة الانحدار.
في النهاية، الجريمة والمخدرات ليست مفاجأة، بل نتاج طبيعي لسلسلة مترابطة من البطالة، الفراغ، ضعف التربية، القوانين غير الرادعة، وانعدام القيم الدينية. استمرار هذه العوامل بلا تدخل متسلسل وشامل سيجعل الأزمة تتفاقم، ويهدد استقرار الشباب والمجتمع. الاستثمار في الفرص والتعليم والدعم النفسي والاحتواء المجتمعي ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية عاجلة، لضمان مستقبل مستقر وآمن للأجيال القادمة.







