الوسيلة الرقمية وحدود الاستخدام
راصد الإخباري -
ماهر البطوش
في واقع لم تعد فيه الصورة هامشية ولا المنصة حيادية، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات تقنية عابرة، بل أصبحت جزء من الفضاء العام، تُصنع فيها السمعة، وتُبنى الثقة، وتُرسم من خلالها صور الأشخاص والمؤسسات أمام المجتمع. فهي في جوهرها وسائل اتصال، وُجدت لتقريب المسافات، ونقل المعلومة، وتعزيز الحوار، وهو ما يجعلها منسجمة مع ما كفله الدستور الأردني من حرية الرأي والتعبير، بوصفها ركيزة أساسية من ركائز المجتمع الواعي.
وانطلاقاً من هذا الدور المتنامي، تعامل المشرع مع هذا الفضاء بقدر من الحكمة، فلم يُغلقه ولم يُطلقه بلا ضوابط، بل رسم له حدود تحمي كرامة الإنسان وتحفظ التوازن المجتمعي، دون أن تقيد الحرية أو تفقدها معناها. فالقانون لا يقف في وجه الوسائل، بل يقف عند طريقة توظيفها وأثرها في المجتمع.
وفي إطار هذا التنظيم المتزن، كان من الطبيعي، بل ومن المشروع، أن تُستخدم هذه المنصات في الإعلان والتسويق للمؤسسات والمحال التجارية، وأن تتحقق من خلالها منافع اقتصادية واضحة، طالما تم ذلك بشفافية ووفق الأنظمة والتعليمات الناظمة للإعلان وحماية المستهلك. فهنا تكون الغاية واضحة، والوسيلة في مكانها الصحيح، والعلاقة مع الجمهور تتسم بالشفافية والإفصاح دون تضليل أو لبس.
إلا أن هذا التوازن يبدأ بالاختلال حين تتقدم العدسة على النية، وحين يُقدم الفعل الإنساني بوصفه محتوى، وتُعرض المساعدة لا باعتبارها قيمة، بل كوسيلة عبور إلى الشهرة، أو كجسر للوصول إلى مواقع النفوذ والكراسي. في هذه اللحظة، لا يكون الخلل في النشر، بل في الغاية الخفية التي يدار بها هذا النشر.
وعند هذا الحد يظهر البعض في صورة المبادِر، والفاعل، والحريص على الصالح العام، فتُضبط الزوايا، وتُختار الكلمات، وتُصاغ المشاهد بعناية. لكن التجربة المجتمعية علمتنا أن القيم لا تستمر بالتصوير، وأن النوايا لا تُختبر بالمنشورات، بل بالثبات على المبدأ بعد انطفاء الأضواء. وما إن تتحقق الغاية الشخصية، حتى يبدأ كل شيء بالتكشف والوضوح، وتتراجع المبادرات، ويغيب الخطاب الإنساني، وتبقى العدسة بلا رسالة.
ومن هذا المنطلق، فإن استخدام هذه المنصات على هذا النحو يبتعد عن الروح التي أرادها الدستور لحرية التعبير، والتي تقوم على خدمة المجتمع لا توجيه صورته، وعلى الإسهام في النقاش العام لا استثماره. فحرية النشر لم تُقر لتكون وسيلة تلميع، ولا أداة عبور سريع إلى مواقع النفوذ، وإنما شُرعت لتكريس الوعي، وتعزيز الثقة، وربط الفعل العام بالمسؤولية لا بالمكاسب الشخصية.
ومع ذلك، فإن العدالة في التقييم تقتضي عدم التعميم، وعدم الخلط بين الاستغلال والعمل الصادق. فثمة شخصيات حقيقية تعمل بصمت، وتستخدم هذه الوسائل فقط لتسليط الضوء على قضايا عامة، أو لتحفيز المجتمع على المشاركة، دون أن تجعل من نفسها محور المشهد. وهؤلاء تحديدًا، هم من يُجسّدون الفكرة السليمة لاستخدام المنصات الرقمية، ويؤكدون أن الوسيلة يمكن أن تخدم الإنسان لا أن تستثمره.
وعليه، فإن الاستخدام السليم لوسائل التواصل الاجتماعي يقتضي التعامل معها باعتبارها أدوات لخدمة النقاش العام وتحقيق المنفعة المجتمعية، فهي أداة وليست شهادة حسن سلوك، ومساحة تعبير، لا طريق مختصر للشرعية الاجتماعية أو السياسية.
وفي ختام هذا المسار، يتحقق التوازن الذي أراده الدستور: حرية مصانة، وكرامة محفوظة، ومصلحة عامة لا تُستغل. أما حين تتحول الوسيلة إلى غاية، والعدسة إلى حَكم، فإن المجتمع وحده هو من يدفع الثمن، ولو بعد حين.







