حين يُلغى العمر… ويُقصى الخريج: حقّ العمل بين النصّ الدستوري وواقع الإقصاء
راصد الإخباري -
بقلم: نجوى صالح الشناق/ ماجستير صحافة وإعلام
حين أعلنت هيئة الخدمة العامة إلغاء شرط العمر، بدا القرار في ظاهره خطوةً إصلاحية تهدف إلى تعزيز العدالة وتكافؤ الفرص. لكن ما جرى لاحقًا كشف مفارقة لافتة؛ إذ أُلغي شرط العمر شكليًا، ليُستبدل بشرط آخر أكثر قسوة، هو تحديد سنة التخرّج، وكأن الإقصاء لا بد أن يستمر، وإن تغيّر شكله.
أنا خريجة إعلام منذ عام 2016، وحاصلة على درجة الماجستير عام 2020، ومع ذلك لم أعد ضمن قوائم المطلوبين للتعيين. لم تُقيَّم كفاءتي، ولم تُحتسب خبرتي أو سنوات انتظاري، بل جرى استبعادي بصمت، لأن تاريخ تخرّجي لم يعد «مناسبًا»، وفق معايير غير واضحة، ولا مبرَّرة دستوريًا.
هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا يتجاوز القانون إلى جوهر العدالة: هل أصبح المواطن مطالبًا بالبحث عن بدائل قسرية ليعمل بشهادته؟ وكيف يُطلب من الخريج الصبر والالتزام بالقانون، بينما يُفرَّغ حقّ العمل من مضمونه تحت مظلّة أنظمة إدارية متغيّرة؟
الدستور الأردني، في مادته (23)، كفل حقّ العمل للمواطنين دون ربطه بعمر أو سنة تخرّج، وألزم الدولة بتوفيره ضمن إمكانياتها. وما يحدث اليوم هو إعادة إنتاج للتمييز بأسلوب مختلف، يتعارض مع المادة (6) من الدستور، التي تؤكّد المساواة وتكافؤ الفرص بين الأردنيين.
والأشدّ إيلامًا أن خريجي الإعلام يقفون في منطقة رمادية؛ فلا نقابة مهنية تضمّهم وتحمي حقوقهم، ولا سياسات حكومية واضحة تضمن دمجهم العادل في سوق العمل العام، رغم الحاجة المستمرة إلى إعلام مهني ومسؤول. يُترك الخريج وحيدًا، بلا مظلّة تحميه، ولا تمثيل يدافع عنه، ولا أفق مهني واضح، في مشهد يعكس أزمة أعمق من مجرّد وظيفة.
إن تحويل سنة التخرّج إلى معيار إقصائي يُعدّ انتهاكًا صريحًا لروح الدستور؛ لأن التنظيم، حين يتجاوز حدّه المشروع، يتحوّل من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة للحرمان. فلا يُعقل أن يُعاقَب المواطن لأنه تخرّج مبكرًا، ولا أن يُقصى لأنه صبر وانتظر ولم يغادر وطنه.
العمل ليس منّة، ولا التوظيف صدقة، بل حقّ دستوري أصيل. وحين تعجز الدولة عن استيعاب أبنائها، فإن واجبها لا يكون بإقصائهم من القوائم، بل بمراجعة سياساتها، وفتح مسارات عادلة وشفافة تُراعي الكفاءة لا التواريخ.
لسنا بحاجة إلى شعارات جديدة، بل إلى تطبيق حقيقي للدستور الذي نؤمن به، وإلى إرادة تحترم الإنسان، وتُدرك أن الحقّ، إذا سُلب باسم التنظيم، يبقى ظلمًا مهما تغيّرت أدواته.







