موسى شحادة و البنوك الاسلامية

{title}
راصد الإخباري -

بقلم : يوسف العامري


يعد القطاع المصرفي الإسلامي واحدًا من أسرع القطاعات المالية نموًا وتطورًا على مستوى العالم، مدفوعًا بالطلب المتزايد على الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. وفي خضم هذا التطور، تبرز أسماء لامعة ساهمت بشكل جوهري في ترسيخ أُسس هذا الفرع المالي وتطوير آلياته التنظيمية والتشغيلية. ومن بين هؤلاء الرواد، يلمع اسم موسى شحادة كأحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها صروح الصيرفة الإسلامية الحديثة. إن مسيرة شحادة ليست مجرد سيرة ذاتية لأكاديمي أو مصرفي، بل هي سجل حافل بالإنجازات التي أسهمت في تحويل المفاهيم النظرية للفقه المالي إلى تطبيقات عملية ومؤسسات مالية رائدة.

تبدأ أهمية دور موسى شحادة عليه رحمة الله، من خلال فهمه العميق للتفاعل بين الشريعة الإسلامية والواقع الاقتصادي المعاصر. لقد أدرك أن نجاح المصرفية الإسلامية لا يكمن فقط في تجنب الربا، بل في تأسيس نظام مالي قائم على المشاركة في المخاطر والأرباح، والعدالة الاجتماعية، والتمويل الحقيقي للأعمال الاقتصادية المنتجة. كان تركيزه الأكاديمي والمهني منصبًا على بناء الأطر الشرعية التي تضفي الشرعية والمصداقية على المنتجات المصرفية الإسلامية، مما مكن هذه المؤسسات من المنافسة بفاعلية مع النظير التقليدي.

لقد شهد المجال المصرفي الإسلامي في العقود الأخيرة طفرة كبيرة، وكان شحادة في صميم هذه الطفرة، خصوصًا فيما يتعلق بتطوير وتنفيذ أدوات التمويل المتوافقة مع الشريعة. فقد كان له دور محوري في تطوير عقود المرابحة، والمشاركة (المضاربة والمشاركة)، والإجارة، والتي تُعتبر اللبنات الأساسية لمعظم معاملات البنوك الإسلامية اليوم. لم يقتصر دوره على الجانب النظري، بل تجسد حضوره القوي في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات المالية الإسلامية الكبرى، حيث طبق رؤيته في بيئات عمل حقيقية، مما سمح له باختبار وتقويم النماذج المصرفية في الميدان.

إن أحد أبرز إسهامات شحادة يكمن في العمل على توحيد المعايير والممارسات عبر المؤسسات المختلفة. في مرحلة مبكرة، كانت هناك تباينات كبيرة في تفسير وتطبيق الأحكام الشرعية بين بنك وآخر، مما خلق ارتباكًا لدى المتعاملين وفي الأسواق الدولية. عمل شحادة، من خلال مشاركته الفعالة في هيئات المعايير الشرعية الدولية، على تضييق هذه الفجوة. فالتوحيد القياسي للمعاملات المصرفية الإسلامية يعد شرطًا أساسيًا لاعتبار القطاع ناضجًا وقادرًا على اجتذاب الاستثمارات الدولية الضخمة. من خلال تقديم رؤى فقهية متوازنة ومستنيرة، ساعد في بناء جسور الثقة بين الفقهاء والمصرفيين والمستثمرين.

لقد امتدت إسهاماته كذلك إلى مجال التوعية والبناء الأكاديمي، حيث كان له الفضل في إعداد وتدريب جيل جديد من المهنيين المختصين في الصيرفة الإسلامية، مزودين بفهم عميق لكل من الجوانب الفقهية والتقنية. إن استمرارية نمو القطاع تعتمد بشكل كبير على مثل هذه الكوادر المؤهلة التي تستطيع قيادة دفة الابتكار مع التمسك بالأصول والمبادئ.

لم تكن رحلة التطوير هذه خالية من التحديات، فقد واجه شحادة وزملاؤه الرواد شكوكًا ومقاومة من قبل قطاعات تقليدية في السوق المالي العالمي. إلا أن الإصرار على تقديم نموذج بديل قائم على الأخلاق والمشاركة أثبت جدواه مع مرور الوقت، وبات القطاع الإسلامي شريكًا لا يمكن تجاهله في المعادلة المالية العالمية.

ختامًا، فإن النظر إلى مسيرة رائد مثل موسى شحادة لا يثير الإعجاب بالإنجازات الفردية فحسب، بل يلقي الضوء على مسار تطور صناعة مالية بأكملها. لقد ساهم بعمق في تحويل رؤية مصرفية ذات بُعد أخلاقي إلى واقع عملي ناجح، مما يؤكد أن المبادئ الإسلامية قادرة على تقديم حلول مبتكرة ومسؤولة لاحتياجات العصر المالية. إن استمرار الريادة في هذا المجال الحيوي يتطلب الحفاظ على هذا الروح التأسيسية من الابتكار والالتزام، لضمان أن تبقى الصيرفة الإسلامية نموذجًا ماليًا فاعلاً وعادلاً، عليه رحمة الله .