جنوب الوطن خزان الأردن المائي

{title}
راصد الإخباري -

بقلم : الدكتور صالح الكساسبة

في بلدٍ يعاني من شحٍ مائيٍ مزمن، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد من المياه سنويًا مائة متر مكعب، وهو رقمٌ يقل كثيرًا عن عُشر خط الفقر المائي المعترف به عالميًا، تتحول كل قطرة ماء تهطل من السماء إلى ثروة استراتيجية لا يجوز التفريط بها. ومع ذلك، ما زلنا نشهد، موسمًا تلو الآخر، مشهدًا مأساويًا يتكرر في محافظات الجنوب: أمطارًا غزيرة تتحول إلى سيول جارفة تجري في الأودية وتضيع في الصحراء، دون أن تجد طريقها إلى خزاناتنا الجافة أو حقولنا العطشى. إن هذا الهدر ليس من قدر المحتوم، بل هو نتيجة تراكم سنوات من الإهمال في التخطيط وغياب الرؤية الاستثمارية الحقيقية في القطاع المائي.

تشير البيانات الرسمية إلى فجوةٍ صارخة بين القدرة النظرية والتخزين الفعلي. فالسعة التخزينية الإجمالية لسدود المملكة تقترب من 288 مليون متر مكعب، بينما لا يملأ المخزون الفعلي في أحسن الأحوال أكثر من ثلث هذه السعة. هذا يعني أننا، وبكل بساطة، نسمح لأكثر من ثلثي إمكاناتنا التخزينية أن تظل خاوية، بينما تواصل العاصمة عمّان استنزاف أحواضها الجوفية إلى حد الخطر. الفارق بين هذه الأرقام ليس مجرد فجوة تقنية، بل هو شاهد إدانة على فشل إداري وتراجع في أولوية الملف المائي على جدول الأعمال الوطني. فالمياه التي تذهب هباءً في أودية الجنوب اليوم، هي نفسها التي ستدفع الأجيال القادمة ثمن فقدانها غدًا، من خلال مزيد من العطش، وارتفاع تكاليف الشحن، وتعميق فجوة العدالة في توزيع الثروة المائية.

إن مناطق الجنوب، من معان إلى الطفيلة، والكرك وحتى البادية الجنوبية، تمتلك إمكانات هاطلة قادرة – لو أحسنت استثمارها – على أن تكون رافدًا حيويًا للأمن المائي الوطني. إنها ليست أطرافًا نائية أو هوامش جغرافية، بل هي جزء أساسي من النسيج الوطني، وثرواتها – ومن أهمها المياه – ملك للجميع. إن تجاهل هذه الإمكانات هو تعزيز للاتجاه المركزِي في إدارة الملف المائي، الذي يركز على حلول مكلفة ومعقدة بينما تتجاهل الحل الطبيعي الذي تهبه السماء مجانًا.

لذا، فإن الدعوة تُطلق إلى حكومة تعتبر أن قطرة الماء تساوي حياة. نطالب بإطلاق مشروع وطني عاجل وطموح، يعيد رسم الخريطة المائية للمملكة، من خلال إنشاء سدود حديثة في المواقع الاستراتيجية بالجنوب، لا أن تكون مجرد منشآت اسمية، بل ذات سعات تخزينية حقيقية تلبي الاحتياجات المتوقعة. كما يجب توسيع نطاق مشاريع حصاد مياه الأمطار على مستوى القرى والبلدات، وربطها بشبكة نقل وتخزين وطنية ذكية.

كما يجب أن يرقى الاستثمار في المياه ليصبح أولوية سيادية قصوى، لا تقل أهمية عن أي ملف أمني أو اقتصادي، لأن الماء هو عصب الحياة والاستقرار. ولا يمكن أن ينجح أي مخطط دون إشراك حقيقي للمجتمعات المحلية في الجنوب، التي تدرك تفاصيل جغرافيتها ومواسم أمطارها، بدل أن تبقى ضحية للإهمال وشاهدًا على ضياع ثروتها.

جنوب الوطن ليس هامشًا، ومياهه ليست فائضًا موسميًا يمكن التغاضي عنه. إنه شريك أساسي في معركة البقاء التي نخوضها ضد الجفاف. جنوب الوطن لنا جميعًا، ومياهه حق وطني ثابت، يجب أن تُدار بحكمة وتوصل بعدالة إلى كل مواطن أردني، في كل بيت، في كل مدينة وقرية. حان وقت العمل، قبل أن تتحول كل قطرة تهدر إلى ندمة.