د. نضال العياصرة: طاقة فكرية ثقافية
راصد الإخباري -
في مشهدٍ ثقافيٍّ أردنيٍّ تطلّبَ حضوراً استثنائياً، برز اسمُ د. نضال العياصرة كواحدٍ من أبرز الشخصيات التي جسّدت التكامل بين العمق الأكاديمي والرؤية الاستراتيجية، والانخراط الحيّ في صناعة الثقافة لا مجرد التحدث عنها. وتولّيه منصب الأمين العام للثقافة لم يكن مجرد تعيينٍ إداريٍّ، بل كان لحظةً فارقة في مسيرة المؤسسة، حيث حوّل الدور من وظيفة تنفيذية إلى منصةٍ إبداعيةٍ تفاعليةٍ تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفنان، وبين الثقافة والمجتمع.
تميّزت فترة تولّيه المنصب بمبادراتٍ جريئةٍ وشاملة: من إطلاق برامج دعم الإنتاج الثقافي المستقل، إلى تأسيس منصات رقمية تُوّجه للشباب المبدع، وتنشيط الحراك المسرحي والروائي والسينمائي عبر منحٍ مُخصصةٍ وورش تدريبيةٍ مهنيةٍ رفيعة المستوى. التي نقلت الفعاليات الفنية إلى الأحياء الشعبية والقرى النائية، مُجسّداً مبدأ «الثقافة حقٌّ للجميع» لا امتيازٌ للنخبة.
ولم تقتصر إبداعاته على التخطيط والتنفيذ، بل امتدّ إلى الكتابة والتأمل النقدي؛ فكانت مقالاته ومحاضراته تُشكّل مرجعاً فكرياً في قراءة التحولات الثقافية المعاصرة، وتحليل العلاقة بين الهوية والحداثة، وبين التراث والتجريب. وقد تميّز أسلوبه بالوضوح والجرأة، وبقدرته على ربط التحليل النظري بالواقع المعيش، دون تجريدٍ أو تفريطٍ في البساطة.
وما يُحسب له أيضاً، هو حفاظه على استقلالية القرار الثقافي في ظل التحديات المؤسسية، ودفاعه المستميت عن حرية التعبير كأساسٍ لا غنى عنه لأي مشروع ثقافيٍّ حقيقي. لم يُهمّه أن يُوصف بالجرئ، بل همّه أن تكون الثقافة حيّةً، ناقضةً، مُولّدةً للسؤال لا للإجابة الجاهزة.
د. نضال العياصرة ليس مجرد مسؤولٍ ثقافيٍّ، بل هو طاقةٌ فكريةٌ تُشعل، ومرشدٌ يُرشد، وصانعُ فرصٍ يُؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، بل هي البنية التحتية للوعي الوطني، ومرآةُ المجتمع الصادقة، ووسيلةُ التغيير الأعمق. وبقيت إرثه في الثقافة الأردنية ليس في الملفات المُوقّعة، بل في الجيل الجديد من المبدعين الذين وجدوا في سياسته مساحةً للتنفس، وفي رؤيته مساراً للانطلاق.
إن إبداعه لم يكمن في ما أنجز، بل في ما أطلق: أفكاراً، ومشاريع، ووعياً جديداً بأن الثقافة ليست ما يُحفظ في المتاحف، بل ما يُعاش في الشارع، ويُكتب في الزوايا، ويُغنّى في الساحات، ويُفكّر فيه بجرأةٍ لا تُساوم.
يوسف العامري







