حلب على صفيح التوازن الإقليمي: أين تقف إيران؟ اشتباكات حلب تكشف هشاشة المفاوضات ودور إيران الإقليمي
راصد الإخباري -
نجوى صالح الشناق / ماجستير في الصحافة والإعلام
كاتبة وباحثة في الشؤون السياسية والإعلامية
شهدت مدينة حلب مؤخرًا تصعيدًا عسكريًا بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أعاد المدينة إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي. هذه الاشتباكات لم تكن مجرد تبادل للنيران، بل تجسيد لهشاشة التفاوضات السياسية في سوريا، وكشف لدور إيران الخفي والمحدد في إعادة صياغة التوازنات على الأرض.
حلب… قلب التوتر السوري
كانت الأحياء الشمالية، مثل الشيخ مقصود والأشرفية، محور الاشتباكات الأخيرة، حيث تبادل الطرفان إطلاق النار والقصف، ما أثر على المدنيين وأجبر السلطات على تعزيز الإجراءات الأمنية. تظهر مواقع الهجوم الأخيرة هشاشة المفاوضات بين الأطراف، حيث يمكن لأي توتر محلي أن يتحول سريعًا إلى مواجهة فعلية في أحياء مكتظة بالسكان، ما يجعل حلب مدينة على صفيح ساخن دائمًا.
قسد… بين القوة والسياسة
بعد سنوات من الاعتماد على القنوات الديمقراطية لتثبيت موقعها، وجدت قسد نفسها أمام واقع صعب، فقدت فيه جزءًا من شرعيتها السياسية، وأصبح النفوذ العسكري الوسيلة الأساسية للحفاظ على مواقعها. أي اشتباك جديد، كما حصل في حلب، يعد اختبارًا لقدرتها على الموازنة بين الضغط العسكري والحفاظ على موقعها أمام الدولة والضغوط الإقليمية.
إيران… اليد الخفية واستراتيجية النفوذ
دور إيران في حلب وسوريا أعمق بكثير من مجرد مراقب للصراع، فهي تتصرف وفق استراتيجية متعددة المستويات تجمع بين النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي:
السيطرة الاستراتيجية: تعمل إيران على ضمان بقاء الدولة السورية موحدة، لمنع أي كيان محلي أو إقليمي من الانفصال عن دمشق، ما قد يضعف نفوذها في المنطقة.
ضبط التوازن العسكري: من خلال دعم أذرعها العسكرية في سوريا، بما يشمل قوات محلية ميليشيوية ومستشارين عسكريين، تضمن إيران ألا يتحول أي تصعيد بين الدولة وقسد إلى مواجهة واسعة قد تستفيد منها أطراف إقليمية أخرى.
الضغط السياسي عبر قسد: تعتبر إيران قسد أداة ضغط تكتيكية، لا تسمح لها بالتحول إلى كيان مستقل، لكنها تستخدم وجودها للتفاوض على مكاسب سياسية وعسكرية ضمن معادلة السلطة السورية.
إدارة الأزمات الإقليمية: تحرص إيران على عدم السماح لتصعيد محلي في حلب أن يتحول إلى أزمة إقليمية شاملة مع تركيا أو القوى الدولية الداعمة لقسد، لتبقي المبادرة بيدها في أي تسويات مستقبلية.
التوازن الإقليمي
الأحداث في حلب لا يمكن فصلها عن الدور التركي والدولي. تعتبر تركيا قسد تهديدًا لأمنها القومي، بينما تراقب الأطراف الدولية التي دعمت قسد سابقًا لمحاربة التنظيمات المتشددة الوضع عن كثب. تعمل إيران كعامل موازن، تحافظ على مصالحها وتمنع أي تصعيد قد يهدد نفوذها على الأرض، ما يجعل حلب ساحة اختبار دقيقة للتوازن الإقليمي.
توضح الاشتباكات الأخيرة أن المشهد السوري ما زال هشًا سياسيًا، وأن القوة العسكرية تعود إلى الواجهة بعد تعثر التفاوضات. هذا يعكس صراع إرادات بين الدولة التي تسعى لفرض سيادتها، وقسد التي تحاول الحفاظ على نفوذها بعد تراجع دورها السياسي، وبين اللاعبين الإقليميين الذين يحرصون على ضبط التوازن، وعلى رأسهم إيران التي تمارس نفوذها العسكري والسياسي بحذر محسوب. حلب ليست مجرد ساحة اشتباك، بل مقياس دقيق لهشاشة التفاوضات ومستقبل سوريا تحت تأثير القوى الإقليمية.







