بين الزغاريد والنار ... مغيضة الحجايا

{title}
راصد الإخباري -




عندما تطأ قدماي أرض متحف ساحة الحمراء القومي، وتتراءى أمامي ملامح المناضلة(( ماريا بوشكاريفا )) على هيئة تمثال شمعي أرى في عينيها صدى البأس، لكن قلبي يهمس ..
  
والرأس شايش وما ماريا أمام (( نجود الصواوية )) تلك التي نُسج المجد على مناكبها، ووقفت للأوطان كوقفة السيوف على حدود الشرف ... 

وفي هلسنكي ب فنلندا بين تماثيل الشمال وصقيع الثلج، يبرز اسم المناضلة (( لوتا سفارد )) لكن الذاكرة الأردنية تردّ عليها باسمٍ من لهبٍ ونور 
 (( منيفة الرديسات )) 
التي كانت في كل جرحٍ شمسًا، وفي كل صرخة فرسًا 
تنزع الرصاصة من جسد الفارس، وتخيط الجرح بخيطٍ من شجاعة، كأنها تُعيد روحه إلى ساحة الوغى لتكمل ما بدأته البنادق.... 

يا فخر النساء ... يا من نُقشتن على صدور الأيام لا على صفحات التاريخ ... 
يا من وقفن كما يقف جبل مؤاب، لا تزلزله رياح ولا تهدّه عواصف.

ها هي الشيخة (( نجود الصواوية )) تجمع حليّ النساء، لا طلبًا للزينة، بل مهورًا للخيول وفرسان الوطن 
تبيع الذهب، وتشتري الكرامة.
تستبدل البريق بالنخوة، وتقول 

 زينة الحِلا في المعركة، لا في المعصم ... 

وها هي الشيخة(( مغيضة الحجايا )) تلك التي وقفت على عتبة المجد كما يقف عمر المختار على بوابة الخلود.
عانقت البنادق، وغازلت الموت بزغاريد لا تعرف الخوف، حتى ارتجف  الخسيس (نظمي باشا ) وهو يسمع صدى صوتها من جرف الدراويش... 

هدّدها بالأسر والإعدام، فابتسمت وقالت ..  

 اسجني إن استطعت، فكل قيدٍ على معصمي شارة نصر،
وكل مشنقةٍ تُرفع لي، مئذنةٌ تُنادي للصمود... 

وحين بلغ الخبر فرسان الجنوب .. من الكركية، و بني عطية ، وأخوات صالحة ...
هتفوا كأن الأرض كلها فارس واحد ..

إحنا خوات مغيضة، والليلة ما تنام عندهم،
من تنخاها النخوة ما تُخذل،
ومن تصرخ باسمها الحرة، يصحى المجد من غفوته .. 
و تحررت من الأسر مغيضة..
هُنّ لسن نساءً فحسب، بل أقدارٌ تمشي على تراب الأردن،
جبال من أنوثةٍ وصلابة، وملاحم تُتلى كما يُتلى القرآن في المحراب.

في كفوفهن زغاريد، وفي قلوبهن نار، وفي عيونهن وميضٌ يشبه البرق حين يسبق المطر.
من منيفة الرديسات التي ضمّدت الجراح،
إلى نجود الصواوية التي باعت الذهب واشترت الوطن،
إلى مغيضة الرديسات التي ردّت على المستبد بالشعر والرصاص،
كلهن صفحات من سفر العزّة، وأسماءٌ يُردّدها الجبل إذا مرّ به الهوا.. 

فيا من تبحث عن بطولة في تمثالٍ بعيد،
تعال إلى أرض الاردن، إلى مضارب الجنوب،.. 
هنا تُنحت البطولة في القلوب، لا في الحجر،
وهنا تُولد الأنثى من رحم الشمس،
تحمل في يدها سيفًا، وفي الأخرى زغرودة،
تُربّي الرجال على الفخر، وتعلّم السيوف معنى الوفاء..

        رحم الله الشيخات واسكنهم الفردوس الأعلى 
                
                  حارس الكلمة وكاتب السنديانات 
                                 قدر المجالي