الكرك… حين يراد للأردن أن ينشغل بنفسه عن فلسطين

{title}
راصد الإخباري -




بقلم المهندس نديم الفقهاء 

ما جرى اليوم في الكرك من اعتداء آثم يثير تساؤلات تتجاوز أبعاده الأمنية، في ظل مرحلة إقليمية بالغة الحساسية، تتسارع فيها التحولات السياسية والميدانية على الضفة الأخرى من النهر. ورغم أن تحديد دوافع الاعتداء والجهات التي تقف وراءه يبقى رهنا بنتائج التحقيقات، فإن توقيته يفرض سؤالا مشروعا: من المستفيد من إشغال الأردن بأمنه الداخلي في وقت تتزايد فيه التهديدات التي تستهدف القضية الفلسطينية؟
على مدى سنوات، تعرض الأردن لضغوط سياسية واقتصادية متعددة، تراوحت بين الترغيب والترهيب، بهدف التأثير في مواقفه من قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. غير أن رفضه التهجير القسري والوطن البديل ظل موقفا سياديا ثابتا، الأمر الذي يثير مخاوف من انتقال الضغوط إلى مسارات أمنية تستهدف استقراره وقدرته على التمسك بقراره الوطني المستقل.
إن خطورة الاعتداءات الأمنية لا تكمن في نتائجها المباشرة فحسب، بل في قدرتها على إثارة الخوف وإضعاف الثقة وإشعال الانقسامات داخل المجتمع. فإغراق الدولة في دوامة من العنف وردود الأفعال قد يستنزف مؤسساتها، ويحول اهتمامها من مواجهة التحديات الخارجية إلى احتواء الأزمات الداخلية، وهو واقع لا يخدم إلا القوى المتربصة باستقرار الأردن.
وتزداد هذه المخاوف مع تصاعد سياسات الاستيطان والضم في الضفة الغربية، وما تحمله من تهديدات بتهجير الفلسطينيين وفرض وقائع جديدة على الأرض. فهذه المشاريع لا تستهدف الحقوق الفلسطينية وحدها، بل تمس بصورة مباشرة الأمن الوطني الأردني، وتحاول نقل تبعات الصراع إلى شرق النهر، في انتهاك لحق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وتقرير مصيرهم.
ومن هنا تبرز فرضية تستحق التأمل: هل يراد وضع الأردن أمام خيارين، إما القبول بمخططات التهجير، وإما مواجهة اضطرابات أمنية متلاحقة قد تتطور إلى صراعات داخلية؟ لا توجد أدلة معلنة تسمح بربط اعتداء الكرك بهذه الفرضية، لكن خطورة المشهد الإقليمي تفرض قراءة واعية للمخاطر المحتملة، بعيدا عن التهويل أو الاستهانة.
إن مواجهة هذه التحديات تتطلب أكثر من الإجراءات الأمنية، فهي تستدعي جبهة داخلية متماسكة، ومؤسسات قوية، وخطابا وطنيا مسؤولا يرفض التحريض والانقسام. كما أن الشفافية في كشف الحقائق، وتطبيق القانون، وتعزيز ثقة المواطنين بدولتهم، تمثل ضمانات أساسية لمنع استغلال أي حادث أمني في ضرب النسيج الاجتماعي الأردني.
وفي النهاية، فإن من يراهن على إضعاف الأردن من الداخل يجب أن يدرك أن وحدة الأردنيين هي السد المنيع أمام أي محاولة للمساس بسيادة وطنهم أو فرض مشاريع التهجير عليه. فالأردن ليس وطنا بديلا، وأمنه ليس ورقة للمساومة، واستقراره ليس ثمنا لتصفية القضية الفلسطينية. وحين تتماسك الجبهة الداخلية، يسقط الرهان على الفتنة، ويبقى الأردن قويا بمواقفه وشعبه ومؤسساته، عصيا على الابتزاز والاختراق.