خطاب الملك أمام الأمم المتحدة.. موقف دولة ونداء ضمير

{title}
راصد الإخباري -
خطاب الملك أمام الأمم المتحدة.. موقف دولة ونداء ضمير

بقلم سماحة قاضي القضاة
الشيخ عبد الحافظ نهار الربطه
في المواقف الكبرى، تكشف الكلمات عن ميزان الدولة في فهم الأحداث، وعن القيم التي تهدي قرارها، وعن قدرتها على رؤية ما وراء اللحظة الحاضرة. ومن هذا المقام جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين؛ صوتا أردنيا واضحا في زمن مضطرب، وموقفا مسؤولا يستند إلى الحق، ويصل بين عدالة القضية الفلسطينية وأمن الأردن واستقرار المنطقة وصدقية النظام الدولي.

فالخطاب جمع بين ثلاث دوائر تتداخل في آثارها ومصيرها: دائرة الإنسان وحقه في الحياة والكرامة، ودائرة الدولة وواجبها في حماية سيادتها ومصالح شعبها، ودائرة المجتمع الدولي ومسؤوليته عن إنفاذ القانون وصون السلام. وقد خاطب جلالته العالم من داخل هذه الدوائر مجتمعة، فبدت فلسطين في الخطاب قضية عدالة تمس الضمير الإنساني، وقضية قانون تختبر مصداقية المؤسسات الدولية، وقضية أمن ينعكس مآلها على الأردن والمنطقة بأسرها.

وقد اختار جلالته أن يبدأ من معنى دقيق شديد الصلة بعصرنا: الانتباه. ففي عالم تتزاحم فيه الصور والأزمات، أصبح الاهتمام الدولي موردا سياسيا يحدد ما يصل إلى غرف القرار، وما ينسحب من الذاكرة العامة قبل أن يجد حلا. وحين تنحسر الأضواء عن المأساة، تبقى المأساة قائمة في حياة أهلها، وتجد القوى التي تفرض الوقائع مزيدا من الوقت لتثبيتها. ومن هنا حمل الخطاب رسالة عميقة مؤداها أن التجاهل موقف تترتب عليه نتائج، وأن ما يختار العالم إغفاله قد يصبح غدا الخطر الذي يواجهه الجميع.

وعلى ضوء هذا المعنى، جاء حديث جلالة الملك عن فلسطين أكثر من استعادة لموقف أردني ثابت؛ فقد مثل انتقالا من التحذير من العواقب إلى تسمية الوقائع وتحميل المسؤوليات. طوال عقود، حذر الأردن من أن إدارة الصراع ستقود إلى انفجاره، وأن تأجيل الحل يوسع مساحة الظلم ويضيق فرص السلام. واليوم تكشف غزة والضفة الغربية الثمن الإنساني والسياسي لذلك التأجيل: قتل ودمار ونزوح في غزة، واستيطان واستيلاء على الأراضي وعنف منظم في الضفة الغربية، ومسار متصل يهدف إلى تغيير الواقع وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وقد أعاد جلالة الملك إلى الكلمات دقتها ووزنها. فهدم البيوت لتوسيع المستوطنات تهجير قسري، والاستيلاء على الأرض المحتلة ضم فعلي، ودفع السكان إلى مغادرة أرضهم جريمة حرب. وتحمل هذه اللغة دلالة تتجاوز قوة التعبير؛ فهي تنقل القضية من مساحة الوصف السياسي إلى مجال المسؤولية القانونية، وتعيد توجيه الأنظار من مشاهد المأساة إلى السياسات التي صنعتها. فتسمية الأفعال بأسمائها تحفظ الحقيقة من التزييف، وتمنع الظلم من الاحتماء وراء عبارات مخففة تطيل عمره وتجعله مألوفا.

ومن موقع المسؤولية الشرعية والقضائية، ندرك أن العدل يبدأ ببيان الحق، ويترسخ بوضع المسؤولية في موضعها، ويكتمل بإنصاف المظلوم ورد العدوان. فاللغة في قضايا الحقوق تحمل أثرا يوازي أثر الأحكام؛ لأنها تصوغ وعي الناس، وتحدد طبيعة الفعل، وترسم الطريق إلى المساءلة. وحين يختل ميزان التسمية، يختل معه ميزان الحكم، وتتسع المسافة بين الحقيقة وما يقدم للعالم عنها.

لهذا جاء سؤال جلالة الملك عن قيمة القانون الدولي إذا أمكن تجاهله لعقود سؤالا في صميم العدالة وشرعية النظام الدولي. فالقانون يستمد هيبته من اتساق تطبيقه، والمؤسسات تكتسب ثقة الشعوب حين تحمي المبادئ التي أنشئت من أجلها. أما تفاوت المعايير أمام الوقائع المتشابهة، فيضعف الثقة، ويبعث برسالة خطرة مفادها أن الحماية تتأثر بموازين القوة وهوية الأطراف. وعندها يدفع العالم كله الثمن؛ لأن انهيار الثقة بالقانون يفتح الطريق أمام القوة المجردة لتصبح حكما بين الدول والشعوب.
وقد عبر الخطاب عن نهج أردني واضح: سلام يستند إلى اليقظة، ودبلوماسية تسندها الجاهزية، وانفتاح على الحوار تقوده دولة تعرف مصالحها وتحمي سيادتها ومواردها.فأعاد الخطاب توجيه المسؤولية نحو جذور الأزمة، ودعا إلى انتقال دولي من إدارة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن إصدار القرارات إلى إنفاذها، حتى يصبح القانون قوة تحمي السلام وتردع العدوان. وقد أكد جلالة الملك أن انحياز الأردن إلى الدبلوماسية يصدر عن قوة ومسؤولية، ويرافقه عزم ثابت على حماية الوطن وأمن شعبه.

وتبقى القدس في قلب هذه الرؤية، بما تمثله من حق وهوية وأمانة. فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية عهد تاريخي متصل، ينهض به جلالة الملك حماية للوضع التاريخي والقانوني القائم، وصونا لهوية المدينة المقدسة، ودفاعا عن مقدساتها في وجه محاولات التقسيم وتغيير الواقع. ويمنح هذا الدور الأردن مسؤولية تتجاوز السياسة اليومية إلى حفظ إرث ديني وحضاري يخص الإنسانية كلها.

كما يحمل تأكيد جلالته حماية المسيحية ومجتمعاتها رسالة بالغة الدلالة في مواجهة محاولات تصوير الصراع على أنه صراع أديان. فالمسيحيون العرب جزء أصيل من تاريخ هذه الأرض وهويتها، وحماية وجودهم امتداد لحماية التنوع الذي ازدهرت به المنطقة عبر القرون. وقد صان الأردن نموذجا يقوم على الأخوة واحترام الكرامة الإنسانية، وحمل الهاشميون رسالة الاعتدال التي تظهر جوهر الإسلام في العدل والرحمة وصون حرية العبادة والمقدسات.

وفي ميزان شريعتنا الغراء، يمثل العدل أمانة ومسؤولية وأساسا للعمران، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين". وهذه الآية تؤسس لعدل يسمو على الهوى والمصلحة، ويحفظ حق الإنسان أيا كان دينه أو عرقه أو وطنه. ومن مقتضى هذا العدل أن تصان الدماء والكرامة، وترد المظالم، وتتحمل الدول والمؤسسات مسؤوليتها في حماية الضعفاء ومنع العدوان. وعلى هذا الأساس يلتقي الموقف الأردني مع جوهر الرسالات السماوية ومع الغاية التي قام عليها القانون الدولي.

إن الوقوف مع الموقف الذي عبر عنه جلالة الملك هو وفاء لثوابت الدولة الأردنية، ونصرة لحق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة والدولة، وتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات، وانحياز لأمن الأردن وسيادته وموارده. وقد حمل جلالته إلى العالم رسالة تجمع حكمة الدولة ونداء الضمير: استمرار الظلم يهدد الجميع، وعدالة القانون تحمي الجميع، والسلام القائم على الحقوق هو الطريق الأوثق إلى مستقبل آمن ومستقر. والأردن شريكا موثوقا، وفيا لكلمته، منفتحا على التعاون، راسخا في قراره الوطني.

لقد تحدث جلالة الملك بلسان الأردن الواثق من مبادئه ودوره، ووضع أمام العالم ميزانا واضحا بين القوة والحق، وبين إدارة الأزمات وحلها، وبين سلام مؤقت تصنعه الظروف وسلام راسخ تصنعه العدالة. وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، ثابتا في نصرة الحق، قويا في حماية وطنه، حريصا على السلام، وماضيا في بناء مستقبله بثقة واتزان.

حفظ الله الأردن آمنا عزيزا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأعانهما على مواصلة مسيرة البناء والدفاع عن مصالح الوطن وقضايا الأمة.