تثبيت الفايدة الامريكية وتداعياته علي الدولار والاسهم والذهب

{title}
راصد الإخباري -

أظهر قرار الاحتياطي الفدرالي الامريكي بتثبيت سعر الفايدة عند نطاق 3.5% و3.75% أن البنك المركزي الاكبر في العالم لا يزال يرى أن معركة التضخم لم تحسم بعد، خاصة مع صعود أسعار الطاقة وتزايد عدم اليقين الجيوسياسي. بين البنك في بيان أن النشاط الاقتصادي الامريكي يواصل التوسع بوتيرة صلبة، لكن التضخم لا يزال مرتفعا، ويعزى ذلك جزئيا إلى زيادة أسعار الطاقة العالمية.

جاء القرار وسط انقسام داخلي واسع داخل الفدرالي، حيث صوتت الاغلبية لصالح التثبيت، بينما برزت اعتراضات تعكس خلافا حول المسار المقبل للفايدة، في أكبر درجة انقسام منذ عام 1992 وفق رويترز.

تعمل الفايدة في الاسواق كما تعمل الجاذبية في الفيزياء، فهي تحدد إلى أين تتحرك الاموال. فإذا كان المستثمر قادرا على الحصول على عائد جيد من وديعة أو سند منخفض المخاطر، فإنه يصبح أقل استعدادا للمغامرة في الاسهم أو الذهب أو الاصول عالية التقلب.

يشرح الخبير الاقتصادي أحمد عقل، خلال حديثه مع الجزيرة نت، أن العلاقة بين الاسهم والفايدة علاقة عكسية في جوهرها. بين أن ارتفاع الفايدة أو تثبيتها عند مستويات مرتفعة يجعل الايداعات البنكية أكثر اغراء، لانها تمنح عائدا مرتفعا وبمخاطر أقل مقارنة بالاسهم. وبذلك تصبح الودائع منافسا مباشرا للشركات، خاصة أن كثيرا من المستثمرين يشترون الاسهم بحثا عن توزيعات الارباح. فإذا اقترب عائد الوديعة من هذه التوزيعات أو تفوق عليها، تتراجع شهية المخاطرة (إقبال المستثمرين).

تعد أسهم التكنولوجيا من أكثر القطاعات حساسية للفايدة، ليس فقط لانها تعتمد على توقعات نمو مستقبلية، بل لان تقييماتها الحالية تقوم غالبا على ارباح متوقعة بعد سنوات. وعندما ترتفع الفايدة، تنخفض القيمة الحالية لهذه الارباح المستقبلية، فتتعرض أسهم النمو لضغط أكبر، بحسب عقل.

يضيف أحمد عقل أن شركات التكنولوجيا تحتاج عادة إلى استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، كما أن بعضها يعتمد على الاقتراض لتمويل التوسع. لذلك، فإن بقاء الفايدة مرتفعة يعني استمرار كلفة التمويل عند مستويات مرتفعة، بينما خفض الفايدة يمنح هذه الشركات فرصة لتقليل مصروفات الفوائد وتسريع الوصول إلى الربحية.

لكن المحلل المختص في أسواق المال محمد ممدوح النويلة يقدم زاوية أكثر تحفظا، إذ يرى في حديثه مع الجزيرة نت أن تاثير تثبيت الفايدة على أسهم التكنولوجيا ليس له نمط واحد. فبعض شركات التكنولوجيا الكبرى قد ترتفع رغم تثبيت الفايدة إذا كانت ارباحها قوية أو توقعاتها المستقبلية ايجابية، بينما قد تهبط شركات أخرى بسبب نتائج ضعيفة أو مخاوف تخص نموذج أعمالها (طريقة عملها). لذلك، فإن أسهم التكنولوجيا لا تتحرك فقط وفق قرار الفايدة، بل وفق مزيج من الارباح، والتوقعات، والقدرة على توليد النقد (توفير السيولة)، والانكشاف على مجالات واعدة مثل الذكاء الاصطناعي.

عندما تثبت الولايات المتحدة الفايدة عند مستوى مرتفع، يصبح الدولار أكثر جاذبية للمستثمرين العالميين، فالاحتفاظ بالدولار أو بأدوات دين امريكية يمنح عائدا أعلى نسبيا، ما يزيد الطلب على العملة الخضراء.

يشرح أحمد عقل هذه النقطة بالقول إن ارتفاع الفايدة على الدولار يعني ارتفاع الطلب عليه، لان الايداعات والادوات المقومة بالدولار تصبح أكثر جدوى للمستثمرين. كما أن الفايدة المرتفعة تسحب جزءا من السيولة من الاسواق إلى البنوك، ما يقلل القوة الشرائية ويضغط على التضخم، وهو ما يدعم قيمة الدولار من زاوية ثانية.

لكن قوة الدولار لا تاتي بلا كلفة، فالدول التي تستورد السلع الاساسية بالدولار، خصوصا الطاقة والغذاء، قد تجد نفسها امام فاتورة أعلى بعملاتها المحلية، حتى لو لم ترتفع الاسعار العالمية كثيرا. وهذا يفسر لماذا تخشى الاسواق الناشئة عادة من دورة فايدة امريكية طويلة، لانها ترفع كلفة التمويل الخارجي وتضغط على العملات المحلية.

في الظروف الطبيعية، يؤدي ارتفاع الدولار إلى الضغط على أسعار النفط، لان الخام مسعر بالدولار، وكلما قويت العملة الامريكية أصبح النفط أغلى على المشترين من خارج الولايات المتحدة، لكن هذه العلاقة لا تعمل دائما بالطريقة نفسها، خصوصا في أوقات الازمات الجيوسياسية.

يوضح أحمد عقل أن العلاقة بين الدولار والنفط عكسية غالبا، لكن ارتفاع النفط الحالي لا ياتي من عامل العملة، بل من مخاوف نقص الامدادات، وتعطل الشحن، والتوترات حول مضيق هرمز. فإذا كان اثر نقص المعروض أقوى من اثر الدولار، ترتفع أسعار النفط حتى مع صعود العملة الامريكية.

يذهب المحلل الاقتصادي مصطفى فهمي، خلال حديثه للجزيرة نت في الاتجاه ذاته، معتبرا أن التاثير الاكبر على أسعار الطاقة حاليا ليس قرار الفايدة، بل مصير الامدادات وحركة الشحن، فاغلاق أو تعطل الممرات الحيوية يرفع الاسعار مباشرة، بينما يبقى اثر الفايدة على النفط محدودا في المدى القصير مقارنة بصدمة العرض.

لا يمنح الذهب فايدة ولا يوزع ارباحا، لذلك، عندما ترتفع عوائد الودائع والسندات، تزيد كلفة الاحتفاظ بالذهب، لان المستثمر يسال نفسه: لماذا احتفظ باصل لا يدر دخلا بينما يمكنني الحصول على عائد من ادوات امنة نسبيا؟

يوضح أحمد عقل بقوله إن الفايدة المرتفعة تدفع الاموال إلى الايداعات لانها تمنح عائدا جيدا ومخاطرة أقل وسيولة أعلى، أما الذهب فهو أصل لحفظ القيمة أكثر من كونه مصدرا للدخل، ولا يحقق ربحا إلا عند البيع، لذلك، يصبح أقل اغراء في بيئة الفايدة المرتفعة، لهذا تعرض الذهب لضغوط بعد قرار الفدرالي، مع اختبار مستويات نفسية حول 4500 دولار للاوقية.

يلفت محمد ممدوح النويلة إلى أن هذا الضغط قد يكون قصير الاجل، لان الذهب والفضة لا يتحركان فقط بفعل الفايدة، بل أيضا بفعل الطلب الصناعي وحاجة المستثمرين إلى الملاذات الامنة، بمعنى اخر، قد يضغط الدولار والفايدة على الذهب، لكن التوترات الجيوسياسية قد تمنحه دعما مقابلا.

يرى مصطفى فهمي أن قوة الدولار تنعكس سلبا على الذهب، لكن هذا الاثر ليس حاسما في المرحلة الحالية، لان التوترات العالمية تعزز الطلب على المعدن النفيس كملاذ امن.

لا تتوقف اثار الفايدة عند البورصات والذهب والنفط، بل تصل مباشرة إلى القروض العقارية والاستهلاكية وتمويل الشركات، فكلما بقيت الفايدة مرتفعة، زادت تكلفة الاقتراض على الاسر والشركات.

بحسب محمد ممدوح النويلة، فإن استمرار الفايدة المرتفعة أو تثبيتها بلهجة تميل إلى التشدد قد يؤدي إلى ارتفاع أو بقاء تكلفة القروض العقارية والاستهلاكية عند مستويات ضاغطة في المدى المتوسط، لكنه يلفت إلى أن ارتفاع أسعار النفط يضع الفدرالي في حيرة، لان التضخم هنا قد يكون ناتجا عن نقص الامدادات لا عن طلب قوي داخل الاقتصاد، وفي هذه الحالة، فإن رفع الفايدة بقوة قد يتحول إلى عبء كبير على النمو.

يشير النويلة إلى أن التضخم الناتج عن زيادة الطلب، يمكن للفايدة المرتفعة أن تهدئه، أما إذا كان ناتجا عن صدمة طاقة أو اغلاق ممرات شحن، فإن رفع الفايدة لا يزيد انتاج النفط ولا يفتح طرق التجارة، لكنه قد يضغط على المستهلكين والشركات.

يرى أحمد عقل أن التحوط يبدأ بتنويع سلة الاصول بين الاسهم والسندات والذهب والعقار والنقد، ويقترح أن يحتفظ المستثمر بجزء من السيولة لاستغلال الفرص عند التراجعات، مع توزيع الجزء الاكبر بين الاسهم والسندات، وجزء لحفظ القيمة في الذهب، وجزء نقدي للمرونة.

يركز النويلة على ضرورة وجود أسهم دفاعية داخل المحفظة، مثل شركات الاغذية والسلع الاساسية، إلى جانب السندات والكاش وأسهم النمو والعوائد، والفكرة هنا أن المحفظة لا يجب أن تكون كلها موجهة للمخاطرة، ولا كلها موجهة للحماية، بل مزيج يسمح بالصمود والاستفادة من الفرص.