السعودية تعزز الخدمات اللوجيستية باستراتيجية التخصيص
كشف اعلان بدء تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتخصيص في نهاية الشهر الماضي عن توجه جديد ومستدام في مختلف القطاعات. وأكدت أنها ستكون رافعة لتطوير منظومة النقل والخدمات اللوجيستية في السعودية. مبينا أن هذا يرسخ التزام المملكة بتمكين القطاع الخاص كشريك رئيسي في التنمية.
أضافت أن هذا الاقرار الاستراتيجي ليس مجرد تنظيم اداري. بل يعد محركا تشريعيا يمنح المنظومة القوة لتعزيز تنافسيتها الدولية. مشيرة إلى انه سيحول مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجيستية من طموحات مستقبلية الى واقع اقتصادي ملموس. وأوضحت أن ذلك يرسخ مكانة المملكة كمنصة لوجيستية عالمية تربط ثلاث قارات وفق رؤية 2030.
بينت أن أصل هذا الحراك يعود الى عام 2018. حين اطلق برنامج التخصيص كأحد البرامج الاساسية لتحقيق الرؤية بهدف تسريع التنفيذ وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية. وأشارت إلى أنه بحلول نهاية عام 2025. نجح البرنامج في استكمال خطته بنجاح. ليصبح ثاني برامج الرؤية التي تستوفي مستهدفاتها. دافعا نمو الاقتصاد الوطني عبر تحديد الاصول والموارد القابلة للتخصيص في قطاعات حيوية تشمل المياه والنقل والصحة والتعليم. مما رفع جودة الخدمات المقدمة ووفر فرص عمل واستثمارات نوعية.
الشراكة بين القطاعين العام والخاص
أظهر البرنامج أثره في تأسيس بنية صلبة تعظم النتائج. أبرزها تأسيس المركز الوطني للتخصيص واعتماد نظام التخصيص. وقد اسهمت هذه الاطر في تنظيم الاجراءات النظامية وحصر الاصول والخدمات وتهيئة القطاعات لتكون جاهزة لاعمال الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ومع استكمال البرنامج اعماله رسميا. تتولى اليوم الاستراتيجية الوطنية للتخصيص والمركز الوطني قيادة المرحلة المقبلة لتوسيع نطاق الانجاز واكتشاف مزيد من الفرص الاستثمارية.
تعتمد الرؤية السعودية في التخصيص على نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص وهو المسار الهادف الى تطوير الاداء الاقتصادي من جهة. ورفع مشاركة القطاع الخاص في ادارة وملكية المرافق والخدمات التي تتبع للقطاع العام في السعودية من جهة اخرى. وتهدف المملكة من خلالها الى رفع مساهمة القطاع اللوجيستي في الناتج المحلي الاجمالي لتصل الى 10 في المائة بحلول عام 2030. مرتكزة على فتح المجال امام الاستثمارات الاجنبية والمحلية لادارة المرافق. مما يرفع جودة الخدمة ويحقق ميزة تنافسية للمملكة في خريطة التجارة الدولية.
قال وزير النقل والخدمات اللوجيستية صالح الجاسر ان استثمارات القطاع الخاص المحلية والدولية في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية بالمملكة قد تجاوزت 280 مليار ريال. وقد اسهمت هذه الاستثمارات المليارية في رفع مساهمة النقل والخدمات اللوجيستية لتشكل ما نسبته 6.2 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي للمملكة.
تطوير مطار الامير نايف بن عبد العزيز
في احدث التطورات في هذا الملف. اعلنت شركة مطارات القابضة السعودية بالتعاون مع المركز الوطني للتخصيص طرح مشروع تطوير مطار الامير نايف بن عبدالعزيز الدولي في القصيم بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
في قراءة تحليلية لواقع القطاع. اكد المختص في الخدمات اللوجيستية وسلاسل الامداد نشمي الحربي ان سياسات التخصيص باتت المحرك الرئيسي في تحويل القطاع اللوجيستي السعودي الى بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية. وأضاف أن ضخ القطاع الخاص لاستثمارات تجاوزت 18 مليار ريال من اجل تطوير الموانئ والمناطق اللوجيستية بالتوازي مع تقليص زمن فسح البضائع الى اقل من 24 ساعة عبر منصة فسح قد اسهما في رفع الطاقة الاستيعابية للموانئ لتصل الى 40 مليون حاوية. وهو ما اثمر عن قفزة المملكة 17 مرتبة في مؤشر الاداء اللوجيستي للبنك الدولي معززة بذلك الثقة العالمية وجاذبية اكبر خطوط الشحن الدولية.
أشار الجاسر الى ان 80 في المائة من الاستثمارات المستهدفة في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية ستأتي من القطاع الخاص. موضحا ان من ضمن الشراكات الجديدة التي تم توقيعها اخيرا عقودا في القطاع البحري والموانئ مع القطاع الخاص بما يتجاوز 18 مليار ريال. مبينا ان النسبة العظمى من الاستثمارات في الموانئ تتم عبر القطاع الخاص.
الاستراتيجية السعودية للتخصيص
شدد الحربي على ان استراتيجية التخصيص في المنظور السعودي ليست مجرد عامل مساعد. بل هي الضمانة الاساسية لتحويل المملكة الى مركز لوجيستي عالمي فهي الاداة الفعالة لجلب التمويل والخبرات التشغيلية العالمية والمحرك لتبني الابتكارات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي وانترنت الاشياء. مما يخلق بيئة تنافسية تضمن تحسين جودة الخدمات وخفض التكاليف. وهو ما يرسخ مكانة المملكة بوصفها وجهة رائدة لوجيستيا.
بناء على ما ذكره الحربي. استطاع تخصيص الموانئ والمطارات معالجة التحديات التاريخية والقضاء على فترات التاخير في التخليص الجمركي التي كانت تصل سابقا الى 9 ايام. وأكد أن تطبيق افضل الممارسات العالمية رفع الكفاءة التشغيلية للموانئ بنسبة 71 في المائة مع تعزيز الربط اللوجيستي المتكامل بين السكك الحديدية والطرق لضمان تدفق سلس للبضائع يواكب تطلعات المستقبل.
يرى الخبير اللوجيستي المهندس حسن ال هليل ان سياسات التخصيص في السعودية لم تكن مجرد اجراء اداري. بل اسهمت بشكل حاسم في تحويل القطاع الى بيئة جاذبة لكبرى شركات الشحن العالمية عبر احداث تغييرات استراتيجية شاملة.
مكاسب التخصيص في السعودية
يفصل ال هليل هذه المكتسبات في محاور عدة اولها تحسين الكفاءة التشغيلية حيث سمح اسناد ادارة الموانئ والمطارات للقطاع الخاص بتقليص زمن الشحن وخفض التكاليف التشغيلية مما رفع القدرة التنافسية للسوق السعودية. وثانيها تطوير البنية التحتية بضخ استثمارات ضخمة في تحديث الموانئ والمستودعات وانظمة النقل الذكي مما اتاح لشركات الشحن العالمية مرافق متقدمة وسهلة الاستخدام.
استعرض ال هليل كيف نجح التخصيص في معالجة التحديات التقليدية التي واجهت التدفق اللوجيستي تاريخيا. موضحا ان دخول القطاع الخاص ادى الى رفع كفاءة العمليات وتقليل الاختناقات فاصبحت الخدمات اكثر تنظيما وسرعة في الشحن والتفريغ والتخزين مما خفف من التاخيرات التي كانت تواجهها العمليات سابقا.
أشار الى دور التخصيص في تسهيل الاجراءات الجمركية عبر ادخال شركات خاصة لادارة التخليص مما قلل من البيروقراطية وسرع الاجراءات واوجد شفافية اكبر وهو عنصر حاسم لجذب اللاعبين الدوليين. وأضاف أن هذا المسار شجع الاستثمار الاجنبي عبر وضع اطر قانونية واضحة عززت ثقة شركات النقل العالمية للمساهمة في مشروعات لوجيستية كبرى.
الربط بين القارات الثلاث
حول ما اذا كان التخصيص يمثل الضمانة الوحيدة للربط بين القارات الثلاث. يؤكد ال هليل ان التخصيص عنصر اساسي وقاعدة صلبة لكنه يعمل ضمن منظومة متكاملة. ويرى ان التحول الى مركز لوجيستي عالمي يتطلب استثمارات مستمرة في البنية التقنية والمطارات والمستودعات الذكية وربطها بشبكات نقل متكاملة برا وبحرا وجوا.
شدد ال هليل على اهمية التكامل بين السياسات التنظيمية المرنة وتطوير القوى البشرية المتخصصة في اللوجيستيات الحديثة. وبذلك يصبح التخصيص في رؤيته الاساس الضروري الذي يتكامل مع التكنولوجيا والتنظيم والكوادر البشرية لتحقيق رؤية المملكة بوصفها مركزا عالميا يربط اسيا واوروبا وافريقيا بكفاءة وفاعلية.
أكد ال هليل أن المنافسة الناتجة عن التخصيص حفزت على تعزيز الابتكار وتقديم خدمات متميزة مثل التتبع الرقمي والخدمات المتكاملة للنقل والتخزين. مما رفع مستوى جاذبية السوق دوليا. ويخلص الى ان تحويل ادارة الموانئ والمطارات الى نموذج مختلط بين القطاعين العام والخاص لم يعالج فقط التحديات التقليدية. بل خلق بيئة اكثر فاعلية ومرونة وجاذبية للاستثمارات العالمية. داعما بذلك نمو الاقتصاد الوطني.
تطورات في الشحن الجوي
لم يقتصر اثر هذا الحراك على الموانئ البحرية فحسب. بل امتد ليشمل وسائط النقل كافة حيث تعكس المؤشرات الميدانية طفرة في الشحن الجوي الذي قفز بمعدل 34 في المائة سنويا ليصل الى 1.2 مليون طن. هذا التكامل وضع المملكة في المركز الرابع بين الاسواق الناشئة في مؤشر اجيليتي اللوجيستي لعام 2025. وعزز طموحها في دخول قائمة الـ10 الكبار عالميا. وبالتوازي مع هذا التفوق الدولي. شهد الداخل السعودي توسعا جغرافيا استراتيجيا باضافة 30 مركزا لوجيستيا جديدا. مما اسهم في خلق منظومة توظيف ضخمة تضم اليوم اكثر من 651 الف موظف.
هذه النتائج الملموسة لم تكن وليدة الصدفة. بل هي ثمرة عمل مؤسسي يقوده برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية ندلب الذي يمثل منذ انطلاقه في 2019 القاعدة الاساسية لتحسين البنية التحتية ورفع الطاقة الاستيعابية. ويعمل البرنامج كـ ممكن هيكلي يربط الشبكات المحلية بالاقليمية ويسهل حركة البضائع عبر الحدود. مما يضمن تقديم خدمات بتكلفة تنافسية تخدم المستثمر والمستهلك على حد سواء.
يسعى البرنامج من خلال اشراك القطاع الخاص الى خفض تكلفة الشحن بالربط بين الشبكات المحلية والاقليمية وتسهيل اجراءات الفسح وحركة البضائع عبر الحدود مع ضمان تقديم خدمات التوزيع المحلي بتكلفة تنافسية تخدم المستثمر والمستهلك.
تأسيس مجلس الشراكة اللوجيستي
لضمان استدامة هذا الزخم وتذليل اي عقبات قد تواجه القطاع الخاص. جاء تاسيس مجلس الشراكة اللوجيستي ليكون بمثابة حلقة الوصل التفاعلية بين المستثمر وصانع القرار حيث يعمل المجلس على تحويل مرئيات الميدان الى سياسات وقرارات ترفع كفاءة المنظومة الوطنية وتضمن بقاءها في طليعة التنافسية الدولية.
تتجاوز السعودية اليوم مفهوم مشغل المرافق التقليدي لتصيغ فصلا جديدا في تاريخ الخدمات اللوجيستية العالمية. فالتحول الهيكلي القائم على التخصيص والشراكات الاستراتيجية لا يهدف فقط لتعزيز الكفاءة. بل يرسخ مكانة المملكة يوصفها حلقة وصل عالمية لا غنى عنها في سلاسل الامداد المستقبلية. محققا بذلك الجوهر الحقيقي لـ رؤية 2030 في بناء اقتصاد مزدهر ومستدام.







