في وداع رجل الدولة… رضوان بيك العتوم

{title}
راصد الإخباري -




بقلم : جمال البطاينة 

حين يترجّل المسؤول عن موقعه، لا يُقاس وداعه بعدد السنوات التي أمضاها، بل بما تركه من أثرٍ في النفوس، وما رسّخه من معنى في فكرة الدولة والوظيفة العامة. وهنا، يقف الاسم وحده شاهداً: عطوفة السيد رضوان بيك العتوم، المحافظ الذي قاد إربد عشر سنوات، لا بوصفها مدة زمنية فحسب، بل باعتبارها تجربة متكاملة في الإدارة والأخلاق والمسؤولية.

عرفتُه لأكثر من ثلاثين عاماً، عملنا معاً في أكثر من محافظة، وطرقنا بابه مئات المرات، في ساعات الدوام وخارجها، ليلاً ونهاراً. لم يكن يوماً مسؤولاً يتوارى خلف البروتوكول، ولا موظفاً يُدار بالساعة، بل كان حاضراً بإنسانيته قبل موقعه، وبأخلاقه قبل صلاحياته.

رجلٌ تربّى على الفضيلة، وتشكّل وعيه على الأدب ومكارم الأخلاق. يميّزه هدوء لا يخذل، ورصانة لا تتكلّف، وأسلوب راقٍ يضعك دائماً أمام خيار واحد: الاحترام. لم يكن صوته عالياً، لأن حضوره كان كافياً، ولم يحتج إلى القسوة، لأن العدل كان لغته الأولى.

سبر غور المحافظة، وخبر أهلها، وعرف تفاصيلها لا من التقارير، بل من الناس. لم يتعامل مع إربد كخريطة إدارية، بل ككائن حيّ، له نبض وهمّ وذاكرة. لذلك لم يكن يوماً "محافظاً” بالمعنى الوظيفي الضيق، بل كان أخاً وأباً وصديقاً وجاراً وقريباً.

تميّز بنزاهة صافية، وشفافية لا تهادن، ونظافة يدٍ وسيرة. ترّفع عن العلاقات المشبوهة، ونأى بنفسه عن اللقاءات الممقوتة، ورفض دعوات الولائم أيّاً كان داعيها، إيماناً بأن هيبة المنصب تُصان بالمسافة الأخلاقية، لا بالمجاملات.

عبّر عن أردنيّته، وعروبته، وإسلامه بالممارسة الراقية، لا بالشعارات. كان الموقف عنده أصدق من الخطاب، والفعل أبلغ من القول. صورة مشرقة للمسؤول الذي يحترم نفسه، فيحترمه الناس.

كان مثال الموظف الملتزم؛ لا تحين الساعة السابعة صباحاً إلا وهو على مكتبه، رغم سكنه في محافظة جرش. التزامه لم يكن استعراضاً، بل قناعة راسخة بأن الوظيفة العامة أمانة، وأن الوقت حق للناس لا يُهدر.

قد يرى البعض في هذا الكلام تزلفاً، والرجل يغادر موقعه بعد أيام، لكننا لا نشهد إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين. شهادتنا ليست وليدة لحظة وداع، بل حصيلة سنين من المعايشة والمعرفة.

كنت – ولا أزال – أتمنى أن تُعقد عنده دورات للموظفين الذين يخلطون بين الغياب والرجولة، وبين الإهمال والهيبة، وبين الصلافة والقوة. فقد كان مدرسة قائمة بذاتها في الإخلاص، والتفاني، وحسن الخلق، ووعيٍ رؤيويٍّ آسر، يجمع بين الثقافة والاتزان والحكمة.

نودّعه اليوم، لا لأن أثره يغيب، بل لأن الميدان يتبدّل. ونضرع إلى الله تعالى أن يتقبّل منه، وأن يحفظه، وأن يحبّب إليه خير خلقه، وأن يجزيه عن ما قدّم خير الجزاء.
واثقون أن أمثال رضوان بيك العتوم لا يغادرون مواقعهم حقاً، لأنهم حين يخلصون، يتحوّلون إلى معيار… لا إلى ذكرى…