اعتقال مادورو… حين تصبح السياسة رسالة

{title}
راصد الإخباري -




نجوى صالح الشناق/ ماجستير صحافة وإعلام
كاتبة وباحثة في الشؤون السياسية والإعلامية 


في لحظة مفصلية على خريطة السياسة الدولية، أعلنت الولايات المتحدة عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته داخل فنزويلا ونقلهما إلى خارج البلاد. هذا الحدث ليس مجرد عملية عسكرية، بل رسالة سياسية مدروسة بعناية، تترجم القدرة على النفوذ إلى فعل ميداني ملموس.
ان توقيت العملية بعد ساعات قليلة من اجتماع رفيع المستوى مع الصين يجعلها أكثر من خبر عاجل؛ إنها تحفة تكتيكية في فن استخدام القوة لتوجيه الرسائل العالمية. في السياسة الدولية، لا تُترك الصدف لتشكل المشهد، والتوقيت غالبًا ما يكون رسالة صامتة أكثر تأثيرًا من أي بيان رسمي.

وفق الرواية الأمريكية، نُفذت العملية عبر ضربات مركّزة على كاراكاس ومواقع عسكرية حساسة بواسطة قوات «دلتا فورس»، وانتهت بنقل مادورو وزوجته جوًا إلى خارج البلاد، وسط تعتيم على الوجهة أو المسار القانوني. في المقابل، اعتبرت فنزويلا ما جرى عدوانًا على سيادتها، فيما أعلن الجيش حالة الجهوزية، ما زاد الغموض حول مصير الرئيس وفتح تساؤلات دولية بشأن شرعية العملية وحدود استخدام القوة.

التوقيت السياسي… الرسائل أكبر من الحدث

توقيت العملية بعد اجتماع مع الصين مباشرة يضعها في إطار مختلف؛ فبكين تعتبر أحد أبرز الداعمين لفنزويلا سياسيًا واقتصاديًا، وأي تحوّل جذري في كراكاس لا بد أن يمس مصالحها الإقليمية والدولية. السؤال الجوهري هنا ليس فقط ماذا حدث، بل لماذا الآن؟ هل كان الاجتماع مع بكين محطة لإبلاغها بما هو قادم، أم اختبارًا لحدود رد فعلها، أم مجرد تزامن استغلت فيه واشنطن الفرصة لتوجيه رسالة مفادها أن قراراتها لا تخضع لحسابات الشركاء الدوليين؟

إن هذه العملية تندرج في حال تأكدت معطياتها، ضمن ما يمكن وصفه بسيناريو «إعادة الاعتبار»، حيث تسعى قوة كبرى إلى ترميم الردع واستعادة صورتها كفاعل قادر على فرض الوقائع، في لحظة بدا فيها نفوذها محل اختبار. فالإعلان العلني من أعلى مستوى سياسي، والاستعانة بقوة نخبوية، وترك مصير الرئيس الفنزويلي في دائرة الغموض، كلها مؤشرات توحي بأن الهدف تجاوز إسقاط شخص بعينه، ليتحول إلى رسالة ردع واسعة تتجاوز الجغرافيا الفنزويلية وتخاطب الفاعلين الدوليين بلغة القوة المحسوبة.

في المقابل، يبرز الصمت الصيني كعنصر لا يقل دلالة عن الحدث ذاته. فهذا الغياب عن التصعيد لا يعكس قبولًا ولا رفضًا صريحًا، بقدر ما يجسد نهجًا قائمًا على التريث وحساب الكلفة وترك المشهد ينكشف قبل اتخاذ موقف معلن. صمت يبدو هادئًا في ظاهره، لكنه في جوهره موقف مدروس، يفتح المجال أمام خيارات لاحقة، سواء عبر أدوار دبلوماسية مرنة أو إعادة تموضع محسوبة، في سياق يعكس دقة التوازنات الإقليمية والدولية.

المرحلة المقبلة تبدو أكثر تعقيدًا من لحظة الإعلان نفسها. فالتحدي الحقيقي يكمن في إدارة تداعيات الحدث داخليًا في فنزويلا، وإقليميًا ودوليًا، وفي احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة أوسع، خاصة في ظل غموض الوضع القانوني لمادورو والأسئلة المتزايدة حول الشرعية الدولية للعملية. الأمم المتحدة وبعض الدول الكبرى أعربت عن مخاوفها من انتهاك سيادة فنزويلا، بينما دعت الولايات المتحدة إلى التركيز على محاربة الفساد والتهريب الدولي للمخدرات.

من وجهة رأيي، ما جرى لا يمكن اختزاله في خبر عاجل أو عملية خاطفة. إنه درس في كيفية استخدام القوة والوقت والتوقيت السياسي كأداة رسائل لا تقل قوة عن الإجراءات الميدانية نفسها. العملية تعكس تحولًا في أساليب النفوذ الدولي، حيث يمتزج القرار الميداني بالغموض السياسي لإرسال رسائل ردع واضحة لكل اللاعبين الإقليميين والدوليين.

ختامًا، في عالم السياسة الدولية، ليست العبرة بما يحدث فقط، بل بكيفية قراءة ما بعده، ومن يفهم الرسالة، ومن يختار الصمت، ومتى يقرر أن يتكلم. اعتقال مادورو، بهذا الشكل، يثبت أن التوقيت نفسه يمكن أن يصبح أداة استراتيجية مؤثرة على بُعد عالمي، وأن السياسة ليست مجرد أحداث، بل لغة رسائل تتحرك في الوقت المناسب، لتعيد ترتيب موازين القوى بين الدول.