تحية لعمال الأردن ... ين الإشادة والتحديات
راصد الإخباري -
بقلم : عاهد الخزاعلة
في كل عام، يأتي يوم العمال ليذكرنا بقلبٍ نابضٍ يُشكّل عصب الحياة في وطننا: العمال الذين يرفعون صروح الأردن بحرفيةٍ لا تعرف الكلل، من حجارتها الأولى إلى ذروة عزّها. إنهم أولئك الذين يبدأون يومهم قبل أن تشرق الشمس، وينهونه حين يغيب آخر شعاع لها، ليُعيدوا الكرّة في اليوم التالي بقلوبٍ عامرة بالإصرار والأمل.
الأردن.. وطنٌ تُنسج قصته بسواعد أبنائه:
ليس الأردن مجرد حدودٍ جغرافية، بل هو حكاية تضامن بين أيدٍ تصنع التاريخ. ففي وادي الأردن، يقف الفلاح كشاهدٍ على إرادة الحياة، يروي الأرض بقطرات عرقه، لتحمل له ولنا خيراتها. وفي قرى معان والكرك والعقبة، يسكب المعلمون دماء قلوبهم في عقول الطلبة، ليصنعوا من أحلام الصغار مشاريع كبرى. أما على طرقات المدن، فينطلق سائقو التاكسي كخيوطٍ تربط بين أحيائنا، حاملين قصص الناس من فرحٍ وألمٍ وانتظار. ولا ننسى أولئك الذين يحملون على أكتافهم مسؤولية جمال مدننا: عمال النظافة، الذين يُذكّروننا بأن الكرامة لا تُقاس بالمنصب، بل بالإخلاص في العمل.
"شكراً".. كلمةٌ تبحث عن أفعال:
رغم كل هذا، تظل كلمة "شكراً" عاجزةً عن سد الفجوة بين التقدير المعنوي والواقع المادي للكثيرين. فما قيمة الشكر لعامل البناء الذي لا يجد ما يكفي لعلاج أبنائه؟ أو للممرضة التي تتحمل نوباتٍ متتالية دون تأمين صحيٍّ يليق بتضحيتها؟ هنا، يتحول الشكر إلى نداءٍ ملحٍّ للمطالبة بحقوقٍ تُترجم إلى خطوات ملموسة:
- رواتب عادلة : في ظل موجة غلاء المعيشة، لم تعد الأجور تكفي لسد أبسط الاحتياجات. فكيف لأسرة أن تعيش بكرامة إذا كان دخلها لا يتجاوز بضع مئات؟
- تأمين صحي شامل: الصحة حقٌ إنساني، لا ينبغي أن يرتبط بطبيعة العمل أو حجم الراتب.
- سلامة بيئة العمل: كم من حادثٍ مؤسف يمكن تجنبه لو وُفرت معدات الوقاية، وتم تطبيق معايير السلامة بدقة!
- إنصاف المرأة العاملة : لا تزال العديد من النساء تواجه تمييزاً في الأجور أو فرص الترقية، رغم كفاءتهن.
- حماية العمال الوافدين: فهم جزء من نسيج المجتمع، ويستحقون معاملةً تحفظ كرامتهم الإنسانية.
الأردن.. وعدٌ يتجدد:
اليوم، نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، يُعيد تعريف العلاقة بين أرباب العمل والعمال، مبنيٍّ على العدالة والشفافية. فالتنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتُقاس بمدى رفاهيته. ولنا في التاريخ عبرة: فدولٌ عظيمةٌ بُنيت ليس بثرواتها الطبيعية، بل باستثمارها في الإنسان.
لنكن صرحاء: التحديات كبيرة، لكنها ليست مستحيلة. فبالإرادة السياسية، والضغط المجتمعي، والتعاون بين النقابات والحكومة والقطاع الخاص، يمكن تحويل هذه المطالب إلى واقع. ولعلّ في تجارب دولٍ مجاورةٍ خير دليلٍ على أن الإصلاح ممكن.
الختام: كرامة العامل.. كرامة الوطن
في اليوم العالمي للعمال، نرفع القبعة لكل من يساهم في بناء الأردن، ونذكر أنفسنا بأن الوطن الحقيقي هو ذلك الذي يضمن لأبنائه حياةً كريمة. فليكن هذا اليوم منطلقاً لحوارٍ جادٍ يعيد للعمل قيمته، وللعامل كرامته.
وعدٌ نطلقه من هنا: أن نكون صوتاً لكل يدٍ تبنى، وكل جبينٍ يتصبب عرقاً، وكل قلبٍ يؤمن بأن الأردن يستحق الأفضل. فالشعب الذي يُكرّم عامليه، يُكرّم نفسه أولاً.







