آخر الأخبار
Untitled Document

إحصاءات فيروس كورونا عبر العالم

المصابون
-
المتعافون
-
الوفيات
-
يتم تحديث البيانات تلقائياً على مدار اليوم

فقيري التونسية تكتب من جدائل الصمت معاناة معلمها قبل ربع قرن

راصد الإخباري :  
 


المغرب - راصد
كتب عبدالله الحميدي

نشرت الكاتبة والصحفية التونسية نجاة فقيري، القصة التالية على منصة السلع لمعاناة معلمها قبل ربع قرن من التعيين في منطقة نائية

 والقصة هي من مجموعتها القصصية الأولى جدائل الصمت التي هي قيد الطباعة

فقالت حدثني معلّمي بعنوان "نحو المَجهُول"
 وهي مهداة إلى مُحدثها معلّم الأجيال المُكافح سي منير بوجلِيدة، وسي كَمال الزّيادي الذي مرّ بالتّجربة أيضًا، وإلى كلّ المعلّمين الذين درّسوا بمدرسة الغُرّة في تلك الظّروف الصّعبة.
وقالت حدّثني معلّمي بَعد 25 عامًا قال:

 أّتممت ترّبّصي واستَلمت ورقةَ تعيينِي بمدرسةِ الغُرّة، معتمديّة غار الدّماء، ولاية جندوبة. ولاية من تُراب وطنِي بعيدةٌ عن ولايتي مسقط رأسي، لم أكن أعرف شيئًا عن المِنطقة التي عُيّنت فيها، وكلّما سألت عنها يقولون إنّها بعيدة. ولم أكن أعلمُ أنّ مدرستي على القمّة أبعد وأبعد.
شابّ في الثانية والعِشرين من عُمره، طويل القَامة جميل المَلامح، طريّ العُود، يقول:
 حزمتُ حقيبتي مليئةً بالأحلام والأماني وعزم كبيرٍ، تسلّحت بدُعاء والديّ وانطلقتُ باكرًا. كانت الرّحلة طويلةً من مدينة إلى مدينة، وحقيبة الآمال تشدّ أزري حتّى وصلت معتمدية غارالدّماء، وشمس اليَوم تُشرف على المغيب، وصداع قويّ يفتِك برأسِي من زَفير وَسائل النّقل.
 معتمدية غار الدّماء كغيرها من المعتمديّات، صغيرةٌ وهادِئةٌ، عندها تسلّل الارتياح والسّرور إلى قَلبي لعدم خيبتِي بالمَكان الذي سأعمل فيه. لكنّني استغرَبتُ كثيرًا وعَجبتُ لأمرِهم فكُلّما سَألت أحد المَارّة عن مدرسة الغُرّة يقول في استغراب "الغُرّة، الغُرّة" ويَمضي حتّى أنّ بعضهم لم يَكن يَعرفُها.
 دلّني أحَدُهم على مقهى يجلس فيه من يُمكن أن يسَاعدني ويشرح لي سَبَب اِستغراب النّاس. توجّهت إلى المَقهى وأسرَعتُ لأوّل جَالسٍ وقَعَت عيناي عليه، فقد فتَك بِي الفُضول فتكًا. ألقيتُ السّلام وسألته عن مدرَسةِ الغُرّة، فنَظر إليّ مُتفحّصا ثمّ قَال :"مدرسَة الغُرّة، الغُرّة" وطأطَأ رأسَه واُرتشَف شَايه كأنّه يَبتلِع شَيئًا ما.
 عِندها سَحَبت كُرسيّا وتهَالكتُ عليه، فقد أَيقنت أنّني مُقدم على مَجهول. نظرَ إليّ ثانيةً بتَمعّن وسألنِي عن اسمي وعمري ومَسقط رأسِي ثمّ قال: "مدرسة الغُرّة، الغُرّة"، وأخذ رشفةً أخرى وقلبي يَكَاد ينخَلع من مَكانه ولسَانُ حَالي يقول: "تكلّم رَجاءً يَا سيّدي". فقال :" الغرّة يَا ولَدي، في أعلى ذلك الجَبل، - وأشار إلى قمّة لا تَكاد تَلوح لنَا- أمّا ذهابُك اليوم فهو مستحيلٌ، فلا وسيلة تحمِلك إلى هناك، وإن كنت محظوظًا فربّما غدًا باكرًا تجد سيّارة لأحد الأهالِي يَصطَحبك مَعه.
 شعُرت بدُوار خَفيف يعبثُ برأسي وغصّة حارِقةً في حَلقي. حملتُ حقيبَتي وتوجّهت إلى النّزل الوحيد بالمنطقة، دلّني إليه رجل المقهى وآلاف الصّور والأفكار تعجّ داخل رأسي الذي فتك به الصّداع فتكًا.
 نمت نوما متقطّعًا، أرقب خيوط الفجر لأكتشف ما أنا مقبلٌ عليه. وما إن لاحَ الفَجر حتّى حملتُ حَقيبتي وانطلقتُ إلى المقهى. جلستُ أرتشف فنجان قهوةٍ بخوف وترقّب حتّى بدأت خُيوط الشّمس تسلل وتنيرُ المكان وتنشر الدّفء في الأرجَاءِ.
 كنتُ بين الفينة والأُخرى أسألُ صبيّ المقهى عن وسيلة نقلِي إلى مصيري المَجْهول حتّى دَخل رجلٌ يضع شاشًا فوق رأسه ويرتَدي سروالاً أزرق وسترةً كثرت جُيوبها وانتَفخت. عندها نادانِي صبيّ المقهى و قال لي: " هذا الرّجل سيُقرّبك قدر الإمكان من مَقصدِك فَلا أضمنُ لك قُدوم شَخص آخَر."
 حَمل الرّجل صَاحب الشّاش حَقيبتِي إلى سيّارته المُرهقَة بِبابٍ واحدٍ وصُندوق خلفيّ مَكشوف. رَكبنَا السّيّارة وانطلقنَا، شغّل الرّاديو فكانت خَشخشتُه كالشّخير، ولا حياة لأيّ موجةٍ فيه، فأطفأه وبَدأ يَطرح وابلاً من الأسئلةِ، فتارةً أجِيبُه وطورًا يُجيب نفسَه. وبدأ يُحدّثني عن الغُرّة فقال: "الغرّة يا بُنيّ، بعيدةٌ، طرِيقها وَعر، باردةٌ جدّا شتاءً حيث تُثلج ويستمرّ نزولُ الأمطار والثّلوج أيّامًا بل أسابيع وشهورًا، لا دَكاكين فيها إلاّ دكانًا وحيدًا يتيمًا... وشعُرت للحظاتٍ أنّني لم أعُد أسمع شيئًا أو ربّما لم أعُد أريد أن أسمع شيئًا....

وفي الجزء الثانيمن القصة " حدثني معلّمي"
كتبت اىاديبة نجاة

حدثّني معلّمي بعد 25 عامًا قال:
 بدأت السّيارة تهتزّ وتخضّني خضّا عنيفًا، فاستفقت من غيبُوبَتي وانتبهتُ إلى الطّريق، طريق وعر وحجارة كثيرة بارزة تتربّع في كلّ شبرٍ منه وحافة منجرِفة. تشبّثت بالكُرسيّ بقوّة والسّائق صاحب الشّاش يتحدّث ويتحدّث ويلتفتُ نحوي ويواصل دحر سيّارته بين الحِجارة والشّقوق.
 بدأنا نتسلّل داخل الغابة، وكلّما زدنا صعودًا ازداد الطّريق سوءًا واشتدّت الخضّات وتمايلت السّيّارة وكأنّها تُوشك على الانقلاب خارج الطّريق في الجرف الوعر الهَاوي. توقّف السّائق فجأةً وقال:" ها قد وَصلنا يَا مُعلّم، أنَا لا أستَطيع التقدّم أكثر، عليكَ أن تُواصل السّير عبر هذا الطّريق صعودًا حتّى تبلغ المدرسة.
 نظرتُ حولي كالمصعُوق، فالمجهول يلُفّني من كلّ جانب. تفحّصت المكان فإذا هي منطقة محاطة بالجبال من كلّ مكان،جبال صخريّة وغابات شاسِعة ممتدّة. ومنازل متباعِدة متفرّقة يسهل عدّها لقلّتها. سكونٌ فضيعٌ يلفّ المكان يقطعه أحيانًا نباح كلب أو خوار أبقار.
 رحتُ أجرّ حقيبتي و خطواتِي جرًّا في هذا الطّريق الموحش الطّويل، وكلّي أمل أن ألمح شخصًا يُرافقني ليشتّت خوفي ويُؤنس وحدَتي في رحلة الاكتشاف هذه. بعد أن تقدّمتُ قليلاً لاحت لي بناية قرميديّة في أعلى القمّة يرفرف فوقها العلم، شيء مألوفٌ يقلّل مَخاوفي ويُطمئنُني أنّني مازلت في ربوع وطني. أخبَرني السّائق أنّ المدرسة تقع قبالة تلك البناية القرميديّة.
 كان الطّريق وعرًا موحلاً مخيفًا، تساءلت، هل يقطع تلاميذ المنطقة الصّغار هذا الطّريق يوميّا ولم أكن أعلم أنّهم يختصرون الطّريق عبر الغابة الأكثر وُعورة وعقبات ووحشة.
 بلغت القمّة وقد هدّني التّعب و تورّمت ساقاي واحترق حلقي بغصّة موجعةٍ و تأبى دموع العزّة أن تنهمر وصرخت في أعماقي " أين أنا، هل هنا سأفني شَبابي." حرقة آلمتني و آلمتني...
 استقبلني الحارس بحفاوةٍ، قدّم نفسه ورحّب بي كثيرًا، فسألته: "أين أنا يا عمّ نوار، كيف سأستطيع العيش والعمل هُنا، كيفَ؟ فردّ مشجّعًا: ستتعود يا سي مُنير، صحيح هي بعيدة و بَاردة و ظروفها صعبة لكنّ أهاليها طيّبون، ستتعود مع الأيام. فتنّهدت وقلت: "أيّ أيّام يا عمّ، غدًا سأعود إلى منزلي، لم أعد أريد العَمل، رجاءً جد لي وسيلةً للمُغادرة غدًا باكرًا.
 دخلت مباشرة إلى بيت مخصّص للمعلّمين، ولم أتأمّل المدرسة حتّى، فبعد الذي عانيتُه أريد فقط أن أرتمي على السّرير وأنام لأستيقظ باكرًا وأغادر هذا المكان إلى الأبد. استسلمت لنوم عميقٍ، فجأةً سمعت طرقًا عنيفًا على شباك الغُرفة وصوتًا ينادي:"استيقظ يا سي منير السّيارة بانتظارك".
 حملت حقيبةً وخرجت مسرعًا كالهَارب، كان الظّلام دامسًا ركبت السّيارة وانطلقنا في الطريق الوعر يخضّنا خضّا موجعًا. وصلت غار الدّماء فتنفست الصّعداء، التفتّ إلى القمة البعيدة يلفّها الضّباب وقلت "وداعًا".
 عُدت إلى منزلي لكنّني لم أكن سعيدًا بل كنت حائرًا شارد الذّهن...مرّ أسبوع، فتحدّثت مع والدي علّي أجد حلاّ لحيرتي فقال:" يا بنيّ، مهنتك أشرف مهنةٍ، أنت وأمثالك تخرجون الصّغار من ظلمات الجَهل إلى إشراقات النّور والأَمَل ، فكيف بإخراجهم من ظلمات الظّروف والغابة والحِرمان إلى نور العلم والتميّز؟ إنّها رسالة وضعت بين يَديْك فأحسِن التّبليغ يا بنيّ".
 حزمت أمتعتي وقرّرت العودة، رافقني أخواي بالسّيارة فكانت الرّحلة أقلّ وطأة من سابقتها برفقتِهِما وقد كان استغرابُهما أشدّ من استغرابي في رحلة الصّعود إلى المدرسة.
 كانت المدرسة صغيرةً تفتقر لأبسط الضّروريات، لا ماء صالح للشّراب، لا دورات مياه للصّغار، لا تجهيزات جيّدة...
 كنّا نُعاني الويلات للحصول على الخبز والماء، كانت حياةً وظروفًا صعبةً تشاركتها مع زملاء رائعين. كان البَرد قارسًا والثّلج يحلّ ضيفًا ثقيلاً لأيّام وأيّام. ما كان يشدّني لهذة المدرسة هم تلاميذُها الصّغار ونظراتُهم البَريئة المتطلّعة، رغم البرد الذي ينهشُ أجسَادهم تحت الثّياب الرّثة والأحذية البَالية، فهم يجتهدون ويجدّون. وما زَادَني إصرارًا، إصرارُ الأهالي على قطع بناتهم عن التعليم باكرًا، فلا تجد في القسم إلا بنتًا أو بنتين.
 قطعتُ وعدًا على نفسي أن أخرجهم من قَسَاوة هذا المكان بسلاحِ العلم. وواصلتُ الطّريق رغم وُعُورته ورغم البَرد والمرَض، رغم غياب أبسط الضّروريّات، رغم أحلام شابّ في العشرين واصلت الطريق.